الشيخ: نافذ عزام
لا شك أننا نعيش في عالم يصغي للغة القوة أكثر من إصغائه لمنطق الأخلاق والحق، والمؤسف أن القوة بيد أناس تتحكم فيهم نوازع السيطرة والنهب والأنانية، وهذا ربما من أهم أسباب شقاء عشرات بل مئات الملايين من البشر..
وفي أحيان كثيرة يقال لتسويغ ذلك بأن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق، وبأن من أراد ممارسة السياسة فهذه هي قواعدها.. الدجل والتضليل، والكذب، والأنانية، والسيطرة، والقبول بالمنطق الذي يفرضه القوي والذي يصبح من حقه إملاء ما يريد وقتما يريد.
المؤسف أن هذا النمط من السياسة والسياسيين موجود طوال التاريخ، ولعل الكاتب الإيطالي الشهير «ميكافيلي» قد عبر عن ذلك النمط في كتابه الأشهر «الامير» الذي أصبح معلما ومرشدا لمعظم ساسة العالم وقادته، وباتت عبارة الغاية تبرر الوسيلة الواردة في ذلك الكتاب أساسا للنظريات السياسية الدولية، ولبرامج كثير من حكومات العالم.. فالهدف الذي تضعه حكومة ما لنفسها يجيز لها استخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، الأخلاقية وغير الأخلاقية، للوصول إلى أهدافها وتعزيز نفوذها ومصالحها، والنتيجة هي هذا الشقاء الذي يعيشه الإنسان وتعيشه البشرية كلها، ورغم الخلل الواضح والفادح، ورغم المآسي التي خلفها المنطق الميكافيللي فالعالم يطالبنا جميعا بالالتزام بقواعد السياسة هذه، ويعتبر مجرد الاعتراض عليها هو خروج عن الشرعية الدولية، وتحد لسلطة القانون، ولذلك نسمع كثيرا عن التصنيفات والقوائم التي تصدرها أمريكا وبعض الدول الاوروبية والتي تضع في خانة الإرهاب كل من يختلف مع السياسة الأمريكية، وكل من يحاول البحث عن السيادة والاستقلال.
والمؤسف أكثر أن معظم حكومات الوطن العربي والإسلامي قبلت بذلك المنطق، وقبلت بكل إفرازاته، بل وتجبر المثقفين والمفكرين والعلماء والدعاة على التسليم بذلك الواقع، وتتصدى لكل من يحاول الاعتراض ولو بشكل سلمي.
إن ما يجري في العالم العربي والإسلامي، وحالة التشتت وغياب المشاركة، وتعطيل الكفاءات والطاقات، ووضع العراقيل في طريق أي محاولة للإصلاح سيقود إلى مزيد من الكوارث ومزيد من المعاناة، ومزيد من القهر، وسيتسبب حتما في تعميق الأزمات واستمرار حالة التيه التي تضرب في حياتنا.
لقد أراد الإسلام تغيير القواعد التي تنشئ الذل والهوان، وتمنع الناس من الحياة الكريمة الشريفة، واعتبر أن السياسة خصوصا هي خدمة للناس، وأن الحاكم مهما بلغ قدره ومهما عظمت مكانته وقدراته، هو مجرد خادم للناس وحارس للقيم، وساع لتحقيق الأهداف الكبيرة التي تعاقدوا معه لتنفيذها.. وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون الأربعة بشكل خاص وكلهم رددوا نفس هذا الخطاب بعد تعيينهم «لفد وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم» الحاكم هو خادم للأمة وحارس على منظومة القيم والأخلاق ، لا يجوز له التفرد بشيء ولا يجوز له الاستبداد بالأمر ، ولا يجوز له مصادرة حق الناس في النصح والنقد والتصحيح وهذا المبدأ بناقض تماماً القاعدة الميكافيلية التي قامت عليها أوروبا وأمريكا والغرب وحاول الوطن العربي والإسلامي تقليدهم في ذلك .
اننا مع الاستفادة من الحضارة والتكنولوجيا وما أنجزته الثورة الصناعية في الغرب لكننا لا يجوز أبداً أن نتنازل عن منظومة القيم والأخلاق التي ظلت العماد الأساسي لحضارتنا ونموذجاً ولأن هذه المنظومة اهتزت وتعرضت للتغيير والتشويش ،فإن العالم العربي يغرق في مشاكل وأزمات لا يبدو المخرج منها قريباً!


التعليقات : 0