بقلم - أحمد المدلل
مائةٌ وثلاثةُ أعوام تمر على وعد بلفور المشؤوم الذى كان الأساس والسبب الرئيسي في معاناة وعذابات الشعب الفلسطيني، عندما أصدر وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور وعده بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين بالادعاء أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ، وكان السقوط الديني والأخلاقي والقيمي لبعض الحكام العرب حينذاك وعلى رأسهم الملك السعودي المؤسس عبدالعزيز آل سعود دور كبير في تنفيذ هذا الوعد بإظهارهم الاستعطاف والحنو على الشعب اليهودي الذى نبذته أمم الأرض جميعا على مدار التاريخ منذ وجودهم وانحرافهم عن دين موسى عليه السلام ، لتكون بريطانيا الامبراطورية التي لا تغيب عن مستعمراتها الشمس والتي احتلت فلسطين بزعم انتدابها من عصبة الأمم حينذاك على فلسطين هي المنقذة للشعب اليهودي الذى يحمل في ثناياه وفى كل مراحل تاريخه بذور الفساد والشر والرذيلة ولم ينجُ نبىٌّ او أمةٌ من إيذاءهم ومكرهم وخداعهم وهم الذين تجرأوا على الله سبحانه وتعالى في مواقف كثيرة ذكرها القرآن الكريم في مواطن كثيرة حتى كتب الله عليهم التشتت في كل بقاع الأرض والذلة والمسكنة " وإذ تأذنّ ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " صدق الله العظيم.
ومنذ مجيء العصابات الصهيونية والتي سمحت لهم بريطانيا بالقدوم الى أرض فلسطين حتى بدأت أطماع الاحتلال الشريرة تتوسع على أرض فلسطين وقد بلغت أوجها في نكبة عام ال٤٨ عندما بدأت العصابات الصهيونية بالتقتيل والذبح والحرق والتدمير للديار الآمنة وتهجير أصحابها عنوة بمساندة بريطانيا وعمالة الأنظمة العربية الحاكمة حينذاك ... ولم تمر هذه المؤامرة على الشعب الفلسطيني الذى خذلته الأنظمة والزعامات المهترئة التي ارتبطت مصالحها بمصالح بريطانيا والاحتلال الصهيوني الوليد، واستمر الشعب الفلسطيني في القتال رغم قلة الامكانيات وحصار بريطانيا له وخداع الأنظمة، واستمرت الانتفاضات المظاهرات في كل مدن وقرى ونجوع فلسطين رفضا للاحتلال البريطاني وللعصابات الصهيونية على أرض فلسطين وأبدع الشيخ عز الدين القسام وهو يجند الشباب والنخب الفلسطينية في ثورته وجهاده ويمضى إخوانه وتلامذته من بعده على طريق الثورة والجهاد ، ولكن المؤامرة تعاظمت اكثر واكثر وحصلت النكبة عام ١٩٤٨ وبالرغم من التضحيات الكبيرة لم تتوقف نضالات الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه والعودة الى أراضيه التي هُجّر منها.
وعندما صدّق شعبنا عنترية بعض الانظمة الهوجاء باحتضان القضية الفلسطينية وركن اليها حلّت النكبة الثانية عام ١٩٦٧ لتضيع القدس وكل فلسطين واجزاء من الدول العربية المجاورة تحتلها اسرائيل ، ولم يتراجع الشعب الفلسطيني ولم تنكسر ارادته وقد أخذت مراحل القتال منذ وعد بلفور والى الآن أشكالاً وأدوات مختلفة ، وها هي المقاومة تُبدع في ميادين القتال والمواجهة وتطور امكاناتها وتؤكد للعدو الصهيوني أن المعركة مستمرة لا يمكن أن تتوقف حتى ينال شعبنا حقوقه كاملة واستطاعت المقاومة بإخلاص أبناءها وكدحهم وتفانيهم وخبراتهم القتالية وتضحيات الشعب واحتضانه لها وتطور امكاناتها أن تصنع هاجسا وجوديا للكيان الصهيوني الذى أرادت بريطانيا بوعد بلفور وامريكا بوعد ترامب وجريمة القرن وانظمة التطبيع الخائنة بالدوس على كرامتها والتنازل عن فلسطين من أجل أن تثبّت أركان الكيان وتصنع له دولة آمنة ومستقرة وطبيعية على أرض فلسطين قلب العالم العربي ، لكنّ النضال الفلسطيني يحطّم أحلامهم ويودى بأحلامهم الى الوهم والسراب .
مائةٌ وثلاثة اعوام في حياة الشعب الفلسطيني من التضحيات والنضال يقابلها مائةٌ وثلاثة أيام من الجوع والعطش والأوجاع والأمراض التي تنهش جسد الأسير ماهر الأخرس المنهك، نموذج النضال الفلسطيني الحقيقي الذى لم يُقهر في معركة الكرامة والمواجهة من خلال سلاح الأمعاء الخاوية والاضراب عن الطعام والإصرار على المضي في المعركة حتى ينال حقه بالحرية والانعتاق وكسر سيف الاعتقال الإداري الذى يستخدمه دائما العدو الصهيوني لتدمير همة القتال لدى أبناء الشعب الفلسطيني، وهكذا تذهب أدراج الرياح كل محاولات العدو الصهيوني بالالتفاف على ماهر الاخرس لينهى إضرابه إلا أن الاسير البطل يؤكد ان معركته مستمرة ولن يفكَّ إضرابه إلا بإحدى الحسنيين إما النصر والحرية أو الشهادة ، وكما تعلم ماهر في مدرسة الجهاد والمقاومة أن الثبات طريق النصر ، وكان الشعب الفلسطيني يعد الاعوام التي مضت على وعد بلفور المشؤوم وفى المقابل يعد أيام الجوع ومعركة الكرامة التي يخوضها ماهر الأخرس لتكون مئة وثلاثة أيام في حياة ماهر كفيلة لأن ينتصر ويلتزم العدو الصهيوني بعدم تجديد الاعتقال الإداري بحق ماهر ليمكث في المستشفى حتى يتعافى ويتحرر يوم 26/11/2020 ، ومئة وثلاثة أعوام تمر في حياة الشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور المشؤوم تزيده إصرارا وثباتاً وصبراً وتشبثاً بحقوقه والمضي في طريق النضال والمواجهة المستمرة حتى دحر الاحتلال ... فإنَّ النصرَ صبرُ ساعة وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال " وإنَّ النصر مع الصبر".


التعليقات : 0