معروف الطيب
الحزن يدفع دموع الفرح، لتشهق أرواحنا أنفاس العودة للحياة، كنا قتلى، وليس الوقت بالمناسب لاتهام أحد، بل للتصفيق للحكمة ولو جاءت متأخرة، مسلسل طويل من الوهن والوهم توشك أن تتبدد، مسلسل جمهوره المتفرجون عليه هم ضحاياه، وأبطاله لم يكونوا على مستوى الادراك بحجم الخراب والانخذال الذي لحق بالقضية، والدمار الذي أصاب الشعب، فعلاً جاءت البسمة متأخرة جداً، ولكن أن تأتي متأخرة خير من أن تغيب إلى الأبد، مقموعة بالتعنت والصلف وتصيد الأخطاء من هذا الطرف أو ذاك..
كان الشعب يحتضر ولكن الحياة تفرض نفسها من جديد.. يحاول البعض إخافتنا بإعادتنا لتاريخ التسويات قائلاً ما قبل التسوية يتم (عصر) الشعب حتى يمل من الاستغاثة وتجويع الناس حتى وصل الأمر حد الموت والانتحار والهرب بعيداً ثم يأتي الحل السياسي الذي يجبر الشعب كل الشعب على الركوع، كان هذا قبل توقيع أوسلو، ومات أطفال جنود الثورة جوعا بعدما حجبت رواتب ذويهم لشهور طويلة، حتى أصبح لسان حالهم يقول" سنقبل بأي حلول" فكانت أوسلو السراب والتمزيق وشطب الحلم".. لا أريد أن أفرِّط بفرحتي بهذا الانجاز المتحقق في القاهرة، مهما كانت القراءات، سنعود للجلوس حول كانون النار في الليالي الشتوية الدافئة، وسنتسامر حول فلسطين..
نعم فلسطين تلك المنسية لعقد مضى في زحمة الهموم وركام المصائب، كنا تائهين في صحراء المكابرات والمهاترات، ولكن لا بأس ها نحن نعود، ولا يجوز بالذات في هذا المناخ أن يكون أحدنا معول هدم أو نعيق شؤم وإحباط، سنفرح وسنسمح لدموع الفرح أن تصفق فوق رموشنا؛ لأن معجزة توشك أن تولد وأن تدشن مرحلة جديدة من الأمل، فهذا شعب يستحق الحياة، وما جرى له كان طارئاً، وخارج سياق القداسة التي حفظها الله لهذه الأرض ومن عليها.. فقد قدَّم الناس أعز ما يملكون فداء لهذا الوطن ولازالوا يفعلون، فكان الانقسام سيمفونية نشاز وعقابٌ جماعيٌّ تقمَّص دمى المصالح؛ ليحشر الاحباط وتضيع الأحلام..
يريد الله أمراً حسناً لهذا الشعب حينما تتملك الحكمة قادته فيتقدمون ويؤخرون كل دعاة الفرقة لما وراء الصفوف الخلفية، ويستخرجون الحجر الذي ألقته يد الجنون في بئر أحلامنا، وقضيتنا العادلة، لن نخشى الشياطين التي تكمن في التفاصيل، فلا وقت للخوف أو للمراوغة، وشعبنا ينتظر أن يترجل عن سرير الانعاش ليباشر الحياة من جديد، ولا مجال متاحاً أمام محاولة فاشلة جديدة فقد شُحن الناس بالتفاؤل والأمل، وستكون الخيبة ـــ لا قدَّرَ الله ـــ قاتلةً هذه المرة لأنها يجيء ما بعد (الوقت الضائع) فأي ثقة ستولد بعد ذلك بأي أحد..
في زمن انتصار الأمة على نفسها في دمشق وبغداد، من الطبيعي أن يراجع الفلسطيني نفسه ويتحسس جراحه من جديد، ليس بإظفاره هذه المرة، بل براحة يده الحانية، فثمَّ ألم غائر هناك تجذَّر وتعملق حتى أضحى كالجبال، ولم يعد الجرح يحتمل المداراة والالتفاف. إنها لحظة (اضطرارية) للتوقف عن العبث، لا يقولن أحد أن الخطوة تنقصها البطولة، لأنها تعيدنا للمربع الأول ولا تقدم شيئاً للأمام، كلا، فالقفز للأمام يحتاج خطوات للوراء، ولا عيب في المراجعة طالما استشعرنا بكل حواسنا أن الألم الذي امتد حصد الجلد واللحم والعظام وهاجم النخاع، هي لحظة الحقيقة في سياق الوهم المتبدد فسيروا على بركة الله تحيطكم أكفنا وصدورنا وتنبض فرحاً بكم قلوبنا.


التعليقات : 0