تـحـصيــن الـجبـهـة الـداخـلـيـة... جميل عبد النبي

تـحـصيــن الـجبـهـة الـداخـلـيـة... جميل عبد النبي
أقلام وآراء

جميل عبد النبي

لقد اتفقنا في المقال السابق على أننا لا نستطيع إلا وأن نضع موضوع حماية الجبهة الداخلية على رأس أولوياتنا، وأن من الخطر أن نتجاهل ما يمكن أن تتعرض له من المخاطر، ستمس في النهاية قدرتنا الكلية على مواصلة معركتنا الطويلة، مع احتلال لا يشبه الصور الاستعمارية التي شهدتها المنطقة خلال مرحلة الاستعمار البائدة، ما يعني أن أي إدارة حكيمة للمعركة لا بد وأن تسعى لتحصين الجبهة الداخلية بما يؤهلها لمعركة من هذا النوع.

 

تقول إسرائيل: أنها ستستهدف المناطق المدنية، طالما ان المقاومة- كما تدعي إسرائيل- ستتخذ من المناطق المدنية منصة لإطلاق الصواريخ، أو ساترا تختبئ خلفه ساعة الخطر.

 

وسواء كان الادعاء الإسرائيلي صحيحا أو غير صحيح، فإن الإصرار الإسرائيلي على طرح الموضوع وترويجه محليا وعالميا بهذه الطريقة، يشير بوضوح إلى رغبة إسرائيلية في ضرب المناطق المدنية، وستجد ما تبرر به فعهلها هذا أمام العالم، ما يعني أن المواطنين ومصالحهم الحيوية ستتعرض للخطر، وهذا بالفعل ما حدث خلال الجولات العدوانية السابقة، بمعنى أننا لسنا بحاجة إلى التدليل على إمكانية قيام إسرائيل باستهداف المدنيين، فهذا ما حدث فعليا فيما قبل.

 

إن اتفقنا أن التفكير في الجبهة الداخلية لا بد وأن ينطلق من قاعدة حماية المدنيين، والمصالح المدنية، ليس فقط وقت الحرب، وإنما وقت السلم أيضا، فإن هذا لا بد وأن يدفعنا في اتجاه البحث عن آليات تجنيب المدنين مخاطر الاستهداف الإسرائيلي المحتوم، في أي جولة مواجهة قادمة، ولتحقيق ذلك لا بد من القيام بمجموعة من الخطوات التي لا غنى عنها برأيي:

 

  1. علينا أولا أن نقوم بحملة إعلامية مضادة تفند المزاعم الإسرائيلية حول استخدام المقاومة للمناطق المدنية كمنصات لإطلاق الصواريخ، يمكننا فعل ذلك إن لم نقلل من شأن الرأي العام العالمي الذي تهتم به إسرائيل لأبعد مدى، فيما نتجاهله نحن على اعتباره معاديا، كحكم مسبق كثيرا ما نستخدمه في وصف المواقف الدولية المتعلقة بفلسطين.

 

  1. علينا أن نثبت للعالم ذلك من خلال الابتعاد الفعلي عن استخدام أي منطقة مأهولة بالسكان لإطلاق الصواريخ.

 

  1. ولأن الاستهداف الإسرائيلي للمناطق المدنية شبه محتوم في أي مواجهة سابقة، ما يعني حتمية وقوع ضحايا في الأرواح والمنشآت والمصالح المدنية، فإن استعداداتنا المسبقة للتقليل من حجم الخسائر إلى درجة الصفر- خاصة في الأرواح- يجب أن تكون على أكمل وجه، وذلك من خلال:

 

  • توفير أماكن آمنة مسبقا لسكان المناطق التي من المحتمل أن تتعرض لاجتياحات برية مدمرة، كما ويجب أن تتصف هذه المناطق بالصلاحية- ولو بالحد الأدنى- للحياة الآدمية، وليس كما كان يحدث في المرات السابقة، والتي تم تكديس السكان في بعض مدارس وكالة الغوث، غير المهيأة.

 

  • اعتبار مناطق اللجوء الجديدة مناطق محرمة يمنع الاقتراب منها ولا حتى مجرد المرور من جوارها، من قبل المقاتلين، وذلك سحبا للذرائع الإسرائيلية التي ادعت استخدام هذه المناطق من قبل منتسبي المقاومة، سواء لتخزين السلاح، أو حماية المقاتلين، حيث ارتكبت إسرائيل أكثر من مجزرة خلال جولات الحروب السايقة، مدعية أنها كانت مجرد تلاحق المقاتلين.

 

ج. إن قيل بان لا خيار أمام المقاومة إلا أن تستخدم المناطق المأهولة، بسبب ضيق غزة وتكدسها بالسكان، فإن هذا يتطلب منا.

أولا: محاولة البحث عن بدائل ممكنة، تستخدم وسائل وأدوات لا تضطرنا لاستخدام المناطق المدنية.

ثانيا: وهذا رأي أتحمله شخصيا، حيث لو انعدمت الوسائل الممكنة، فإن تعطيل العمل المقاوم إلى حين توفر البدائل أفضل بكثير من تعريض المصالح المدنية للخطر.

 

ننطلق في موقفنا هذا من حقيقة أن المشروع الصهيوني قائم أصلا على رغبة في تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، لصالح مشروعه الاستيطاني، وعليه فإن النقيض الحقيقي للمشروع الصهيوني يتمثل في البقاء والتشبث في الأرض، خاصة في اللحظات التي لا نمتلك فيها القدرة على هزيمته عسكريا.

في غير حالات الحرب المباشرة.

 

نحن أصلا في حالة مواجهة مستمرة مع إسرائيل، بدأت قبيل الإعلان عن قيام إسرائيل، ولا زالت حتى يومنا هذا، طوال تلك الفترة لم نكن كفلسطينيين في منأى من الاستهداف الإسرائيلي، ولربما تعتبر إسرائيل أن اكبر خطاياها يتمثل في عدم العمل على التفريغ الكامل لكل فلسطين من سكانها، خلال نكبة عام 1948م، وبالتالي فإن حلم إسرائيل الرئيس هو أن ترى هذه الأرض خالية من سكانها، أو على الأقل فصل اكبر قدر منهم بأقل مساحة ممكنة من الأرض، حفاظا على سلامة مشروعها الهادف إلى بقاء إسرائيل يهودية الدين( والقومية!!!) انطلاقا من محاولة الدمج التي تسعى إليها إسرائيل، بين الدين اليهودي والقومية المعدومة التي تحاول خلقها.

 

هذا يعني أن أهم خطوات مواجهة المشروع الصهيوني تتمثل في البقاء في الأرض، وبالتأكيد لا يمكن أن يتم ذلك إن ظل المواطن يشعر بالتهديد الدائم والمستمر لحياته ومصالحه، وعليه لا بد من طمأنته والوصول به إلى حالة من الاستقرار ولو جزئيا.

 

في الخاتمة: يظل موضوع حماية الجبهة الداخلية مفتوحا لإضافات وحوارات أخرى، أملا في تحقيق شيء من الحماية الداخلية للمواطن الفلسطيني وأمنه ومصالحه، المهم الآن أن يأخذ هذا الموضوع حقه في وضعه على رأس أولويات أي جهة مؤثرة على ساحتنا الفلسطينية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق