بقلم : حماد صبح
تعرف أكثرية الشعب الفلسطيني ، وتعرف حماس ، وتعرف فتح ، وتعرف مصر ، وكل من يؤيد المصالحة الجديدة لأسبابه الخاصة ؛ أنه لا أمل حقيقيا في نجاح هذه المصالحة .
وتتعدد أسباب انقطاع الأمل في نجاحها ، وتكفي نظرة إلى الملفات التي يتعين تفكيك عقدها لتنجح المصالحة ، والملفات المعيقات هي : اختلاف البرنامج السياسي لفتح ولحماس ، وموقف إسرائيل من المصالحة ، ومشكلة موظفي حماس ، وسلاح حماس وسواها من منظمات المقاومة مثل الجهاد ، وملف إصلاح منظمة التحرير .
وكل ملف من هذه الملفات في ذاته عقبة كبيرة تكفي وحدها لتعطيل خطوات المصالحة الجديدة وإفشالها مثلما فشلت المصالحات السابقة . والذي يضاعف صعوبة اختراق هذه الملفات هو سقف اتفاق أوسلو المنخفض جدا في ما يتصل بالمصلحة الفلسطينية ، والعالي جدا في ما يتصل بالمصلحة الإسرائيلية . فجوهر هذا الاتفاق لا يخلق أي حياة سياسية طبيعية للفلسطينيين ولو بالمستوى الأدنى من حرية القرار السيادي ، وإمكان النمو السياسي المعقول الذي ييسر تداول مواقع السلطة بالانتخابات كل عدة سنوات . وانتخابات تشريعي 2006 التي ربحتها حماس أكدت صعوبة ، بل استحالة أي حياة سياسية فلسطينية سوية في ظل أوسلو .
من يفُزْ في الانتخابات عليه أن يسير وفق أوسلو مهما كان اعتراضه عليه وتيقنه من ضرره بالفلسطينيين ، وهو ما أثبتته السنوات التي انقضت على تطبيقه في مايو / أيار 1994 بعد توقيعه في سبتمبر / أيلول 1993 . حين كسبت حماس انتخابات تشريعي 2006 قالت إسرائيل إنها لا تمانع في التعامل مع حكومة تشكلها حماس شريطة التزام هذه الحكومة بما يوجبه اتفاق أوسلو ، ورفضت حماس هذا الالتزام .
وتعنتت فتح في وضع أجهزة السلطة الأمنية والمدنية تحت إشراف حكومة حماس ، ووجد سعيد صيام أول وزير داخلية لتلك الحكومة نفسه عاجزا عن توفير الأمن في غزة ، فكون قوة " التنفيذية " لتوفيره . واتسع الخلاف والصدام بين الحركتين ، وانتهى في يونيو / حزيران 2007 بالانقسام الذي دخل عامه الحادي عشر بكل سلبياته وأضراره الثقيلة على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية . وأي انتخابات وفق المصالحة الجديدة ستتم بداهة في ظل أوسلو ، وإذا فازت فيها حماس ، وهو ما تتوقعه جهات إقليمية وعالمية ، فسيحدث أسوأ مما حدث بعد انتخابات تشريعي 2006 . وإذا فازت فتح فإنها لن تستطيع أن تدير شئون غزة بالطريقة التي تدير بها شئون الضفة . وأول عقبة كبيرة في وجه هذه الإدارة هي سلاح المقاومة الذي تنكر إسرائيل والسلطة شرعيته وفق أوسلو الذي استبعد اللجوء للسلاح لحل أي خلاف بين إسرائيل والفلسطينيين ، وطبق الاستبعاد على الفلسطينيين ، وظلت إسرائيل حرة في اللجوء إليه .
والمقاومة لن تتخلى عن سلاحها في أي حال ، وتحت أي ضغط ، وهذا تعرفه السلطة ، وتعرفه مصر ، وتعرفه إسرائيل وأميركا اللتان يقال إنهما منحتا مصر والسلطة الضوء الأخضر لبدء المصالحة الجديدة . وفي حالة مضي هذه المصالحة لما بعد الانتخابات القادمة أيا كان الفائز فيها سينفجر صراع جديد بين فتح وحماس حول سلاح المقاومة ، ويحدث ما يفوق الانقسام الحالي سوءا وضررا ، وما قادنا إليه أوسلو سابقا سيقودنا إليه لا حقا . إنه اتفاق فاسد في استجابته للمصلحة الفلسطينية .
وتقديرنا أن إسرائيل وأميركا ومصر وكل من يؤيد المصالحة الجديدة من دول الاعتدال العربي شرعت في هذه المصالحة لدافعين ، الأول : التهيئة لما يسمونه صفقة القرن ، أي الصلح الشامل بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية . الثاني : أن تفجر المصالحة الخلافات بين الفلسطينيين عاجلا أو آجلا ، والآجل أفضل لهذه الدول بعد أن يكون الصلح قد انعقد بين الدول العربية والإسلامية وبين إسرائيل التي تلح على عقده قبل أي حل للمشكلة الفلسطينية . وفي الحالتين سيكون الفلسطينيون الأخسرين حصادا ، والأتعسين مآلا .


التعليقات : 0