أزمة الخُلق المسلم المعاصر .. الشيخ نافذ عزام

أزمة الخُلق المسلم المعاصر .. الشيخ نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ/ نافذ عزام

أزمة الخلق المسلم المعاصر : هو عنوان لواحد من أهم المقالات التي كتبت في سبعينات القرن الماضي، وأثرت في جيل بل أجيال من الإسلاميين الذين كانوا يتلمسون وقتها طريقا نحو المستقبل ونحو رؤية اكثر وضوحا ووعيا وجدية للإسلام والحياة والواقع، ونحن نزعم أن أزمة الخلق المسلم التي كانت سببا رئيسيا في كتابة ذلك المقال لا زالت قائمة اليوم وبصورة أشد وأعنف، فوقت كتابة المقال كان السجال لفظيا ونظريا فقط، وعبرت أزمة الخلق يومها عن نفسها كلاميا، أما اليوم فتطورت الأدوات بأيدي الإسلاميين إلى مدافع وقذائف وصواريخ، والضحايا هم الالاف ومعهم صورة الإسلام ونموذجة وقيمه.

 

من الضروري التذكير بأن هناك نوعا من الأخلاق لا نهتم بها كثيرا أو  لا يجري التركيز عليها كثيرا وهي اخلاق الفكر أو الاخلاق الفكرية، فالناس تعارفت على صورة واحدة للأخلاق تلك المتعلقة بالسلوك، وهي أخلاق مهمة وضرورية لصلاح الإنسان، وصلاح المجتمع، ولكنها وحدها لن تكون مجدية إذا لم يترافق معها استقامة الأفكار أو أخلاقية الفكر والتي تعد درجة رفيعة من النظام الخلق التي تؤثر بقوة في حركة الفرد وحركة الحياة ومن أبرز و أهم أخلاق الفكر التحرر الفكري الذي هو عكس الجمود والتقليد وهو نقيض للتعصب والانغلاق، التحرر الفكري الذي يكفل للفكر العمل بحرية وبكامل القوة والجهد .

 

وربما كان حديث النبي صلى الله عليه وسلم يلامس هذا الجانب حيث قال ما معناه «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها» أي أن المؤمن الصالح هو الذي يبحث عن الحكمة دون نظر الى قيود الجماعة والعشيرة القومية والمذهب وهو الذي ينفتح على البشرية كلها ليختار عقله ما هو أصلح له ولحياته ولدينه ودنياه، التحرر الفكري لا يقبل الموقف أو النظرية دون أن يمرر ذلك على عقله وقبله، لا يقبل أي شيء لأن المصدر هو مرجعتيه العائلية أو الحزبية أو المذهبية ولا يرفض لان الأفكار جاءت من مصادر غير تلك التي تزكيها له الانتماءات العشائرية والحزبية.

 

التحرر الفكري هو الخلق الأول من أخلاق الفكر التي تضمن بناء سليما لشخصية الفرد وكيان الجماعة والأمة، وثاني اخلاق الفكر هو تحري الحق والبحث عن الحقيقية ، بحيث تصبح الحقيقية أساس سعى الانسان وهدفا اسمى لأنشطته، ومن هذين الخلقين تتنوع اخلاق أخرى لا غنى عنها للفكر مثل حسن الحوار والتسامح الفكري التسامح في الدين، الوسطية والاعتدال، أن ادب الحوار جزء لا يتجزأ من اخلاق الفكر بحيث تحدد الضوابط التي لا يجوز انتهاكها مهما بلغت حدة الخلاف ،ومهما كانت نسبة الالتقاء أو الافتراق، لماذا نعلم الناس البعد عن الاسفاف والابتذال والفحش اذا لم نلزم انفسنا بهذه الضوابط في الحوار والنقاش ما فائدة قول النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: «إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقا».

 

ما فائدة إلحاح الإسلام على تحسين الأخلاق وذم البذاءة والتطاول على الآخرين كما يقول عليه الصلاة والسلام: «ما من  شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يكره الفاحش البذي، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة».

 

أين حسن الحوار، وأين التسامح  الفكري، وأين التسامح الديني من حياتنا اليوم؟ فكيف أن يختلف الناس في قضية واحدة لنرى التطاول والشتائم والبذاءة.. لنسمع من التكفير والتفسيق والتخوين.. دون مراعاة لدين أو اعتبار عليه فارق السن، أو العلم أو أية اعتبارات لها احترام في دنيا الآخرين الذين نصفهم بالكافرين والمخالفين!.

 

ونحن نزعم أن الانحراف الخلقي للفكر أشد خطورة على الانسان والأمة من الانحراف السلوكي الشخصي.. لأن الانحراف الخلقي للفكر يلقي بظلاله السوداء المدمرة على الفرد والأمة معا، فهو ينشئ واقعا منحرفا، ويؤسس لبرامج مدمرة تقود الى الإقصاء والتهميش وعدم الاستفادة من طاقات غيرنا لمجرد أن أصحابها يخالفوننا في موقف أو حتى عدة مواقف، فيؤثر ذلك وبقوة على مجمل مناحي الحياة، أما الانحراف السلوكي فهو يضر صاحبه بالدرجة الاولى، وبين ضعف الفرد في فهم الإسلام أو تقصيره في تطبيقه والالتزام به، وسنضرب أمثلة سريعة على ذلك حيث كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل بصرامة مع الانحراف الخلقي للفكر فيما يكون أكثر مرونة وليونة في مواجهة خطأ الفرد وسلوكه الخلقي الشخصي – لقد غضب من معاذ بن جبل مع حبه له عندما رآه يشدد على الناس في صلاتهم حتى دفع أحدهم لترك الصلاة معه وقال لمعاذ " أفتان أنت يا معاذ " المسألة هنا تتعلق بالقدوة وطبيعة تقديم العبادة في الإسلام وغضب غضباً شديداً من الحب بن الحب أسامة بن زيد عندما أخبره بأنه قتل رجلاً بعد أن نطق بلا اله إلا الله  فقال له "هلا شققت عن قلبه" "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله" المسألة هنا تتعلق برؤيتنا لغيرنا وإعطاء أنفسنا الحق في الحكم على النيات ولماذا لا نضع احتمالاً ولو ضئيلاً جداً بأن الرجل قالها صادقاً وهذا سبب غضب النبي لأنه لا يريد أن تنحرف الأمة نحو الظن والحكم بالهوى وهو نفس الموقف العنيف الذي وقفه ضد النماذج الثلاثة التي أراد أصحابها إظهار المزيد من الورع والزهد "من رغب عن سنتي فليس مني" هذا انحراف لأخلاق الفكر يدمر المجتمع كله إذا قاده  من يظن أن الإسلام هو هذا التشدد والتطرف والمغالاة في العبادة والفهم .

 

وفي المقابل كان النبي رؤوفاً جداً ، وشفوقاً جداً ، وودوداً جداً مع الرجل الذي جاءه معترفاً بمعصيته دون الزنا فقال له "ألم تصلِ معنا العصر" ولمن جاءه معترفاً بأنه لا شيء إليه أحب من الزنا – فأخذه برفق وسأله إن كان يرضاه لأمه أو زوجه أو اخته أو ابنته ووضع يده الشريفة على صدر الرجل ودعا له بكل هدوء أسكت الذين ثاروا يريدون الرجل الذي بال في المسجد، وقال لهم بهدوء: «أريقوا عليه ذنوبا من ماء» أي دلو ماء.. هكذا ببساطة نصح الرجل بأن المساجد لم تُقم لهذا.

 

نستطيع الزعم بأن أزمة الخلق المسلم محتدمة، وتزداد احتداماً للأسف بمرور الوقت، وللحديث بقية إن شاء الله.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق