بقلم : حماد صبح
لكل أمة رموزها التاريخية في القيم الرفيعة مثل الشجاعة والوفاء والتضحية بالنفس ذيادا عن الوطن والشعب. وتستلهم الأمة مآثر هذه الرموز بين الفينة والأخرى، ويكثر هذا الاستلهام وقت الشدائد والأخطار لاتخاذهم قدوة وحذوة في اتباع القيم التي يرمزون لها ليظهر شجعان وأوفياء ومضحون جدد. ويخشى في العلاقة بين تلك الرموز التاريخية وأحفادهم المعاصرين أن يكتفي هؤلاء الأحفاد بالاستغاثة الباكية بتلك الرموز كاشفين عن قصور في فهمهم لقيمتها الحقيقية ، وعن عجز كبير في الإقتداء والاحتذاء بها، وللأسف هذا ما يحدث في عالمنا العربي .
الآن ، ما أن تهان امرأة عربية أو تذبح أو تغتصب، بعد أن تجاوزت مآسي العربيات حالات الإهانة المعنوية ، حتى نسمع من يصرخ مستغيثا : " وامعتصماه ! " ، ويجيب على صرخته المستغيثة: أنه ما من معتصم في هذا الزمان. ويغيب عنه أن العربية المستغيثة في زماننا، بل في أيامنا، أكثر استغاثاتها، حتى لا نقول كلها، من عرب لا من روم مثلما حدث مع العربية التي استغاثت بالمعتصم، ويغيب عنه وعن أمثاله أن عربية اليوم أبدت من صنوف الشجاعة والصلابة في مواجهة الأعداء الأجانب ما تفوقت فيه على الرجال في كل الأعصار، وخذوا الفلسطينية مثلا أو أمثالا! هي أم الشهيد أو الشهداء، وأرملة الشهيد وأخت الشهيد، والصبور بعد شهيدها على تربية أولادها ، والمواصلة لدراستها بعد استشهاد والدها ، والمنتظرة لخطيبها المؤبد في السجن الإسرائيلي .
ولنقرأ ما كتبه يعقوب بيري رئيس الشاباك الأسبق في كتابه " الآتي لقتلك استبق واقتله " عن تجربته في التحقيق مع المناضلات الفلسطينيات في الضفة الغربية حين كان ضابطا في ذلك الجهاز في أواخر ستينات القرن الماضي وسبعيناته : " قابلت عدة (مخربات) اعتقلن، والقاسم بينهن جميعا كان القدرة على الصمود في التحقيق. كن مصممات على آرائهن، يتغلغل فيهن الكبرياء الوطني، ويثقن بعدالة نضالهن ..." . وكم شهدت الانتفاضات الفلسطينية من "معتصمين " شجعان غيورين ! في الانتفاضة الأولى، في البريج ، سقط شاب فلسطيني في بيته برصاصة جندي إسرائيلي، واعتدى جندي آخر على زوجة ذلك الشاب لبكائها واحتجاجها على ما حدث لزوجها، وكانت حاملا، فانتفض الزوج من غشيته ، وقبض على رأسي الجنديين، وضربهما في بعضهما بكل ما تبقى في جسده من نبض الحياة ، وثنى عليه جندي بالرصاص ، فاستشهد .
وأكثر الشخصيات التاريخية استحضارا في الاستغاثة هي الناصر صلاح الدين الأيوبي، وجمال عبد الناصر الذي وافتنا هذه الأيام ذكرى رحيله السابعة والأربعون، فظهر الحزن في كتابات تشكو إليه سوء ما تردى العرب في هاويته العميقة من انهيار وانكسار، واستعلم كاتب: " هل يرضى صلاح الدين عن استفتاء كردستان ؟! ". في الأمة العربية والإسلامية آلاف حتى لا نقول ملايين في شجاعة صلاح الدين وعبد الناصر وإخلاصهما. والمهم الفعال أن تخلق الأمة البيئة الشاملة المعينة على ظهورهم وإحداث تأثيرهم. يكاد الإجماع ينعقد كاملا غير منتقص على أن ترامب شخص أهوج مضطرب الشخصية لا يصلح لرئاسة دولة صغيرة، والذي يستر هوجه واضطرابه في أقواله وأفعاله تبعيته لنظام مؤسسي راسخ يصد مخاطر هوجه واضطرابه على المصالح الأميركية . صعب كثيرا أن يظهر صلاح أو ناصر جديد في أمة تحارب ذاتها وهويتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، وتقترف في حق ذاتها من الموبقات المنكرات ما يتحرج حتى الأعداء عن اقترافه ولو بتعفف منافق . والشجاعة والوفاء _ بمعناه الشامل _ والتضحية والإخلاص ، وسائر القيم الفضلى الرفيعة ؛ ليس من المتحتم أن تتجسد في صورة قائد أمة فحسب ، يمكنها أن تتجسد في أي إنسان، وفي أي مكان، وفي أي عمل مهما بدا بسيطا ، وفي أي مستوى من مستويات النشاط الإنساني ، والله _ جل قدره _ يثيب الإنسان أو يعاقبه على وزن الذرة من أقواله وأعماله. ولعل الأولى أن تتجسد هذه القيم أولا في المستويات الصغرى قبل الكبرى؛ لأن هذه المستويات هي التي تمهد لتجسدها في المستويات العليا، وعميق الرؤية هو الشاعر خليل مطران في تفسيره لظهور الطاغية حين يقول : " لا تلم نيرون إني لائم * أمة لو كهرته ارتد كهرا !
كل قوم خالقو نيرونهم * قيصر قيل له أم قيل كسرى". صلتنا بالرموز التاريخية يجب أن تكون صلة اقتداء واحتذاء وتجسد في كل شخص مهما كان موقعه ودوره ، لا صلة استغاثة يائسة وقصور عاجز ، وعندها سيمتلىء المجتمع بأمثال تلك الرموز .


التعليقات : 0