الشيخ/ نافذ عزام
لا مبالغة على الإطلاق دون الحديث عن الارتباط الوثيق بين القضية الفلسطينية وأوضاع الأمة العربية والإسلامية، ونظن أن الأيام تعطي مصداقية أكثر للبعد الأممي لهذه القضية، وللعلاقة التي لا تنفصم بين فلسطين ومحيطها العربي والإسلامي، وبالتالي فإن العمل من أجل فلسطين يجب أن يرافقه عمل دؤوب من أجل إصلاح الوضع العربي والإسلامي ليكون في أفضل أحواله حتى تتوفر الفرصة لتحقيق إنجاز حقيقي، وفي ذات الوقت فإن استقامة العلاقة بين الأطراف الفلسطينية المختلفة يخدم وبشكل كبير العرب والمسلمين ويقدم لهم دافعا ومحفزا لتصحيح أوضاعهم وسياساتهم، وباختصار شديد لا العرب ولا المسلمون يستطيعون النأي بأنفسهم عن فلسطين، ومأساة أهلها، وما يجري فيها، ولا الفلسطينيون يمكنهم الانعزال والاستغناء عن محيطهم الطبيعي والتاريخي.
لكن السؤال المهم، هل تمضي الأمور في هذا الاتجاه، في اتجاه تأكيد العلاقة التي لا غنى عنها بين الفلسطينيين ومحيطهم.
وإذا كانت الإجابة بلا، فكيف يمكن التصويب، وكيف يمكن تصحيح البوصلة؟ لا يريد هذا المقال استعراض المحطات العديدة التي مرت بها العلاقة بين الفلسطينيين والأمة التي ينتمون لها، ولا يريد هذا المقال طبعا الخوض في تفاصيل الأحداث التي أثرت في مجرى هذه العلاقة وسياقها العام، لكن من الضروري التأكيد على أن أي تشوّش في أوضاع البلدان العربية والإسلامية يؤثر على القضية الفلسطينية ويوفر فرصة أفضل لـ»إسرائيل» لتعزيز سيطرتها، وتكريس احتلالها.
وفي المقابل فإن أوضاع الفلسطينيين ومواقفهم تبعد أو تقرب العرب والمسلمين منهم، وعلى سبيل المثال، عندما تم نزع البعد الإسلامي والعربي عن القضية الفلسطينية ومحاولة حصرها فقط في الفلسطينيين ليصبح الصراع إسرائيليا- فلسطينيا، فإن ذلك أضعف الفلسطينيين وأفاد الإسرائيليين، وأعطى المترددين من العرب والمسلمين ذريعة لمزيد من التردد والتراجع، ومن المؤكد أن القطيعة التي حصلت بين الفلسطينيين أنفسهم في السنوات العشر الأخيرة، زادت من الارتباك في المواقف وزادت من الأخطار التي تهدد القضية الفلسطينية وفاقمت من معاناة الشعب كله، وعلى الرغم من آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، وتلال التضحيات في الأعوام الثلاثين الماضية، فإن التفاعل بين فلسطين ومحيطها العربي والإسلامي سجل حضورا أقوى في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، عبر مشاركة علماء وقادة وكتائب وجيوش من كافة أنحاء الوطن العربي والإسلامي في الجهاد والقتال على أرض فلسطين.
وبغض النظر عن الانتقادات الموجهة لأداء الجيوش والكتائب وبعض النخب السياسية والفكرية، فإن التفاعل كان كبيرا ولم يكن من المستهجن أو المستغرب أو غير المألوف أن يكون هناك حضور مصري وسوري وعراقي وجزائري ومغربي رسمي وشعبي في المواجهات والأحداث على أرض فلسطين، وكان مما كان له أثر كبير في تقريب فلسطين من العرب والمسلمين، وتقريب كل عربي ومسلم من أقدس قضايا الأمة وأخطرها.. دخلت فلسطين إلى كل بيت في المحيط العربي والإسلامي، وإلى كل نجع أو قرية أو مدينة، وهذا بالضبط ما يلزم لتحويل القضية الفلسطينية إلى هم يومي داخلي لعموم الأمة.
أما اليوم فقد تغيرت الأحوال وتبدل الخطاب وتغيرت أمور كثيرة فلسطينيا وعربيا وإسلاميا، واستغرقت الخلافات الداخلية والثانوية معظم الأطراف، وحصل انقلاب في الأولويات وفي توصيف الأعداء والأصدقاء، وبدلا من تبني آمال الأمة وأهدافها الكبيرةـ، تمحور العمل والجهد والبرنامج حول مصلحة قومية محددة، أو طائفة محددة أو مذهب محدد أو دولة محددة.. بل وصل الأمر أحيانا لتصبح مصلحة فصيل صغيرا كان أو كبيرا أهم من الشعب والأمة والمقدس ذاته.. والنتيجة هي هذا الجنون الذي ضرب حياتنا بحيث غاب المنطق، وتوارت الأصول، واهتز كل شيء.. وهذا يضاعف من المسؤولية علينا جميعا لتدارك ما حصل، وتقديم العام على الخاص، والخروج من شرنقة الولاءات والانتماءات الضيقة المظلمة إلى فضاء الأمة الذي كان دائما ولا زال وسيظل فضاء واسعاً يُلهم الأمل والتفاؤل!.


التعليقات : 0