محمد شحادة
تمر علينا في هذه الأيام ذكريات عظيمة، وخالدة في وجدان المسلمين والعرب، كان لها الأثر الكبير في رفع الثقة والمعنويات والإعتزاز بالإسلام ..منها الإنتصار الكبير في السادس من تشرين الذي قام به جيشا مصر وسوريا في رمضان، في معركة مشرفة، قدم فيها الأبطال معركة عظيمة .
كما تمر علينا ذكرى معركة الشجاعية ، الفذة ، والتي كانت أثر هروب شباب مسلم من السجن وإشتباكهم مع العدو الصهيوني في معركة رائعة وملحمة بطولية، أعطت الثقة بالنفس والذات أن
إن مقاومة المحتل والدفاع عن الأرض والعرض حق مكفول في جميع الملل والشرائع، ومشروعية المقاومة ضد المحتل أقرتها الأعراف والقوانين الدولية، واستمداد المشروعية -عند المسلم- لا يفتقر إلى ذلك؛ لأن أساسه الوحي المعصوم، ومواده آيات القرآن الكريم؛ فالحق -جل وعلا- يقول: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْما نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 12- 14].
وفي سنة سيد المجاهدين r عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله r يقول: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد»[7].
فهل بعد هذه المشروعية الواضحة المحددة في الحالات المختلفة حاجة لمزيد؟
وينبغي التنبيه على أن مشروعية الجهاد الإسلامي الصحيح المشروع دائمة ومستمرة ومستمدة من سنة المصطفى r؛ فقد روى سلمة بن نفيل الكندي قال: «كنت جالسًا عند رسول الله r فقال رجل: يا رسول الله، أذال الناسُ الخيل ووضعوا السلاح، وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها. فأقبل رسول الله r بوجهه وقال: كذبوا، الآن الآن جاء القتال، ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»[8].
2- إن المرابطين المقاومين المجاهدين في سبيل الله، ومن ورائهم المؤمنون بالله حق الإيمان يدركون الحقائق الإيمانية، ويعرفون الموازين الإسلامية؛ فيمضون في معاركهم وهم على بصيرة؛ فهم على يقين أن النصر من الله، وليس بعدة ولا عتاد ولا كثرة أعداد {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، {وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].
ومن قوة إيمانهم يثبتون ويصبرون؛ فموقفهم في مثل هذه المواجهة -رغم شدتها- التقدم لا التراجع، وكأنهم يمضون مع قوله تعالى: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104]. ويجددون ما مضى عليه أسلافهم من المجاهدين المؤمنين {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23].
إن المقاومة دليل على كرامة وحرية الرافضين للاحتلال، ولا يرضى بالذل ويستسلم للعدوان إلا من سفه نفسه وفقد إنسانيته، ولا بد من تثبيت معاني كرامة وعزة المسلم، وأنه يجب أن لا يُذل إلا لخالقه؛ استجابةً لنداء الحق جل وعلا: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].
وحين يكثر الظلم وتتوالى الضربات والإهانات تضمر هذه المعاني، وللأسف فإننا نجد أن وسائل الإعلام تسهم في تكريس ذلك من خلال تزييف معاني العزة والكرامة والاستهزاء بها، وبالتالي تُنسَى هذه المعاني مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال؛ مما يستدعي التأكيد على ذلك، لا سيما في مثل هذه الأزمنة التي مرت فيها الأمة الإسلامية بحالات من الضعف الشديد، ولعل من سبل مواجهة ذلك إبراز أثر المقاومة في العزة والاستعلاء الإيماني.
إن تاريخ أمتنا يكشف لنا أن المسلمين انتصروا في معاركهم الكبرى جميعها رغم قلة قوتهم عددًا وعدة مقارنة بعدوهم؛ ففي يوم بدر يقول I) {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]. وهكذا كان الحال في اليرموك والقادسية، بل وفي حطين وعين جالوت، ومثل ذلك في فتح الأندلس والقسطنطينية، وفي العصر الحديث كانت المقاومة الباسلة للمحتل الفرنسي في الجزائر، وللمحتل الإيطالي في ليبيا، وللمحتل الإنجليزي في مصر والعراق وغير ذلك.
وقلَّ أن تجد في التاريخ مقاومة لمحتل لديها قوة مكافئة للمحتل، فضلاً عن أن تكون متفوقة عليه، ومن ثَمَّ لا بد من تقديم ضريبة العز، وبذل (عربون) النصر من خلال تقديم الشهداء، وضرب أروع أمثلة التضحية والفداء، وأما الانتظار إلى أن تتعادل الكفة وتتكافأ القوى فغير ممكن، خاصة في ظل حكومات عربية ليست معنية ولا راغبة في خيار المقاومة، وبالتالي فإن أقل القليل هو دعم المقاومة الشعبية التي تنهك هذا العدو وتزلزل كيانه وتقلق راحته.
المقاومة الجهادية في فلسطين هي النموذج الأظهر لأصالة المقاومة وبسالتها، ولقد تحملت المقاومة الفلسطينية أشد وأبشع صور العدوان الصهيوني الغاشم خلال عدة عقود، وقدمت التضحيات الكبيرة، ولكنها مع ذلك -وخلال الانتفاضات المتعاقبة- ألحقت بالعدو الصهيوني أضرارًا جسيمة في الأرواح والممتلكات، وأضرت باقتصاده وسياحته، وأقلقت أمنه واستقراره، وهي صاحبة الدور الأبرز في مواجهة اليهود الصهاينة.


التعليقات : 0