هل بدأ تنفيذ سايكس بيكو الثانية؟!... الشيخ / نافذ عزام

هل بدأ تنفيذ سايكس بيكو الثانية؟!... الشيخ / نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ / نافذ عزام

ظلت محاولة تقسيم الامة العربية والإسلامية هدفا للقوى الاستعمارية على مدى قرون مديدة، ولا يجوز الظن بأن الاتفاق الانجليزي الفرنسي المعروف بسايكس بيكو قبل قرن كامل قد جاء صدفة أو لمجرد توزيع مناطق النفوذ بين القوتين المهيمنتين في ذلك الوقت.

 

لقد كان تفتيت الأمة حلما قديما وحديثا ومنذ الحملات الصليبية وإلى اليوم لا زال هذا الهدف قائما، وقد حققت تلك المحاولات نجاحا كبيراً عام 1916 عبر اتفاق وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا الذي بموجبه تم تقسيم الوطن الإسلامي الواحد إلى عشرات الأجزاء ونُصبت الحدود والحواجز بين أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة الذين كان يستطيع الواحد منهم ركوب دابته من طنجة في أقصى المغرب ليطوف كل العواصم والمدن وصولا إلى جاكرتا في أقصى المشرق دون أن يطلب منه أحد تأشيرة مرور ودون أن يوقفه حاجز أو مركز مراقبة حدودي..

 

كان بإمكان أي فرد يغادر مكان ولادته وإقامته ليستقر في أي مدينة يختارها في أي جزء من الوطن الإسلامي الكبير دون أن يطلب منه أحد أوراقا ثبوتية أو إيداع أموال في البنوك ودون أن يشعر بغرابة في مكانه الجديد.

 

كانت الأمة تعيش قولا وفعلا معنى الأخوة والترابط ووحدة المصير والهوية، كانت الآمال واحدة، والمشاعر واحدة، وهموم الجزء تجد صداها عند كل من ينتمي للأمة ويستظل بقيمها وعالميتها.. هذا لم يكن يعني غياب القوميات أو انصهار الثقافات المتعددة في الأجزاء التي تشكل كيان الأمة ونظامها السياسي والأخلاقي.. كان التنوع الطائفي  والقومي موجودا ولم يسعَ الإسلام أبدا لإلغائه أو إخضاعه لسيطرة الدولة، لم يسعَ الإسلام أبداً لإجبار البربر على ترك لغتهم والتخلي عن ثقافتهم، بل جعلهم يشعرون أنهم جزء من هذه الأمة، وأن وجودهم فيها ليس وجودا شكليا وأعطاهم الفرصة ليسجلوا حضورهم في أخطر وأهم مجالات الحياة وكان القائد الشهيد طارق بن زياد مثالا واضحا على التحام القوميات المختلفة بقيمها وأهدافها، وذات الكلام يقال عن الكرد الذين يحاول بعض زعمائهم الآن كسر هذا الالتحام وفك الارتباط مع الأمة.. وما قدموه لهذا الدين وهذه الأمة، ويكفي أن صلاح الدين أيقونة الأمة ودرّة مشروعها التحرري ينتمي لهذه القومية العزيزة...

 

لم تكن مفارقة أبدا أن يأتي كردي ليحوز شرف تحرير بيت المقدس بعد مائة عام من احتلاله واغتصابه.. وذات الكلام يقال عن الفرس الذين أمدوا الأمة بالعلماء والفقهاء الذين وضعوا أصول وقواعد الكثير من علوم الإسلام ومعارفه.. ووصل الأمر إلى قبول الأمة كلها بحكم إحدى القوميات التي دخلت الإسلام وعززت سلطته لستة قرون كاملة حكم العثمانيون الأتراك دولة الإسلام وقدموا خدمات جليلة للدين والقيم التي جاء بها، ولم يخجل علماء الأمة ورموزها الدينية والسياسية من المفاخرة بالعثمانية طالما أنها تمثل الخلافة، وتشكل السياج الذي يحمي كل المسلمين، ونحن نظن أن المصائب الحقيقية لم تحل بنا إلا بعد إسقاط نظامنا السياسي وتحطيم دولة الخلافة التي كان العثمانيون الأتراك آخر رموزها وحماتها.

 

لقد تعايشت القوميات والطوائف المتعددة معاً، عندما كان الإسلام هو الموجه والمرجعية والمظلة حتى لو وُجد بعض الحكام الظالمين والمستبدين.. فذلك لم يدحض أبداً فكرة الأمة التي تتعايش فيها القوميات وتتنوع فيها الثقافات والطوائف.. ولم يقفل التنوع والتعدد باب الفرص التي كانت متاحة للجميع دون تمييز بين قومية وقومية، أو بين لسان ولسان.. فلماذا الإصرار اليوم على زيادة التقسيم، وتكريس التفتيت كما حصل في كردستان العراق في الأيام الماضية.

 

قد تكون الحكومات والأنظمة أخطأت في التعامل مع القوميات وضيقت عليها، لكن هذا لم يكن بسبب تفضيل قومية على قومية أو طائفة على طائفة، بل إن الظلم طال الجميع، والجميع عانى من فساد الأنظمة واستبدادها وقمعها ولا يمكن أن يكون العلاج لأخطاء الحكومات المتراكمة هو الانفصال.

 

إن انفصال الأكراد في شمال العراق وتشكيل دولة على أساس قومي سيكون نذيرا بما يمكن أن يحصل للأمة كلها، وسيحيي الانفصال الكردي ومشاريع فتنة رعاها طوال الوقت أعداء الأمة والقوى الاستعمارية قديما وحديثا.. وبعد دولة الكرد ما الذي يمنع من محاولة إنشاء دولة للدروز وثالثة للبربر ورابعة لهذه القبيلة أو تلك..

 

مهما كانت أخطاء الحكومات المتراكمة ومهما كان حجم تقصير الدولة المركزية فالحل لا يمكن ولا يجوز أن يكون في الانفصال والتفتيت، فالتفتيت والتقسيم كان حلما دائما لأعداء الأمة ولـ»إسرائيل» تحديدا، ولذلك لم يكن مفاجئا رفع الأعلام «الإسرائيلية» في المظاهرات والمسيرات في كردستان العراق.. لكن المفاجئ هو التراخي المؤلم لعلماء الأمة ونخبها السياسية والفكرية، وحالة اللامبالاة التي ميزت مواقف وسياسات بعض الدولة العربية والإسلامية حيث أن الخطر يهدد الجميع، ولا يجوز أن يظن أحد أن «سايكس بيكو» الجديدة ستقف عند حدود كردستان العراق!

التعليقات : 0

إضافة تعليق