مصالحة بمنطق الشعب... خالد صادق

مصالحة بمنطق الشعب... خالد صادق
أقلام وآراء

خالد صادق

استطلاع رأي أجريته بشكل شخصي مع عدد من الزملاء والزميلات الصحفيين والصحفيات حول المصالحة الفلسطينية, وما هي توقعاتهم لمستقبل المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس, وهل ستمضي رغم كل العقبات والمعيقات التي تعترضها وتقف في طريقها, وقد خرجت بتصور اجمع عليه تقريبا جل الزملاء من الذين استطلعت آراءهم, بأن المصالحة ستمضي رغم كل العقبات والمعيقات, وان حماس لديها مرونة كبيرة في التعاطي مع لاءات السلطة وتحفظاتها, وان إصرار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية, ومسؤول حماس في غزة يحي السنوار على المضي بالمصالحة رغم كل العقبات واضح تماما, حيث يؤكد الرجل الأول في حماس  السيد إسماعيل هنية, ان الانقسام أصبح خلف ظهورنا, وأصبحت المصالحة حقيقة وواقع وتحدث الرجل الأول المسؤول عن حماس في قطاع غزة السيد يحى السنوار, انه لن يسمح لأحد بإفشال المصالحة, وانه سيفاجئ الجميع بحجم التضحيات التي ستقدمها حماس من اجل إنجاح هذه المصالحة والمضي بها, وهذا يبعث على التفاؤل وإحياء الأمل بدخول غزة أجواء صحية جديدة تعينها في التغلب على جل مشاكلها الحياتية التي اثقلت الهموم على الناس, وزادت من أوجاعهم وآلامهم.

 

  كما ان الزملاء المستطلعة آراؤهم قالوا ان هذا الاتفاق مختلف عن سابقه من الاتفاقيات التي فشلت بعد ان تم التوقيع عليها, سواء في مكة أو القاهرة 2005م و 2011م, أو في الدوحة, أو اتفاق الشاطئ, والغريب ان مبررات نجاح هذا الاتفاق تخلص إلى ان الإدارة الأمريكية و «إسرائيل» معنيتان بإنجاح اتفاق المصالحة هذه المرة, تمهيدا للبدء في تنفيذ ما تسمى بصفقة القرن, وانتزاع مواقف تضمن الدخول في مرحلة تسكين طويلة في غزة بعيدا عن توتير الأوضاع عسكريا, والتمهيد للحل النهائي للقضية الفلسطينية, والبدء بخطوات تطبيع رسمي عربي وإقامة علاقات مباشرة مع «إسرائيل», ورغم معرفة الزملاء بهذه الاثمان الباهظة, إلا ان أحدا لم يستطع ان يرفض المصالحة أو يبدي موقفا معارضا لها, بحجة ان هذا قد يكون له مردود سيء في نفوس الغزيين, ويؤدي إلى حالة من اليأس أو الضجر أو الغليان, وكلها ليست في صالح الفلسطينيين, وبالتالي علينا ان نتعامل مع المصالحة بكل ما تحمله من أخطار, وما تتطلبه من تنازلات, حتى لا نخسر كل شيء, هذا بموقف المستطلعة آراؤهم وحسب وجهة نظرهم «ما باليد حيلة», أو هل لديك بديل, أو مجبر أخاك لا بطل.

 

هذا التحليل لمنطق المصالحة وفق هذه الرؤيا دفعني للتساؤل, هل يمكن لحركة المقاومة الإسلامية حماس وجناحها العسكري كتائب القسام, ان تسعى للمصالحة وفق هذا المنطق وبهذه النتائج الخطيرة, فهي بالتأكيد تدرك الأخطار التي تحدق بالقضية الفلسطينية أكثر منا, وللحقيقة هي الخاسر الأول والأبرز إذا وقعت مصالحة وفق الرؤيا المستوحاة من تصورات البعض, وبالتالي لا اعتقد ان حماس تعيش مرحلة المراهقة السياسية, ويمكن ان تخدعها الأضواء, والبروتوكولات الرسمية, وتختطفها عدسات الكاميرا, فهي تملك شخصيتها التي تستطيع من خلالها ان تفرض رؤيتها ومواقفها على الآخرين, وبالتالي أنا أثق في قدرة حماس على التمسك بالثوابت الفلسطينية, والحفاظ على الموقف الوطني الجامع, ولها تصوراتها السياسية المدروسة للمرحلة القادمة, وتدرك أنها تحمل أمانة الحفاظ على الحقوق والثوابت الفلسطينية, ولا يمكن ان تقامر بها مهما كان حجم الضغوطات التي تتعرض لها, حتى خطاب رئيس مكتبها السياسي  السيد إسماعيل هنية الذي تحدث عن ضرورة إنجاح المصالحة وإنهاء الانقسام بكل الطرق الممكنة, وخطاب قائد حماس في غزة يحيى السنوار عن فرض المصالحة على الجميع, يأتي في إطار طمأنة السلطة وكسب ودها, وتبديد أية مخاوف تعترض المصالحة, أما الحديث عن انقسام في المواقف داخل حركة حماس, فالمعروف عن حماس أنها تلتزم برأي الأغلبية, ومن لديه تحفظ على المصالحة, فليس له الحق بالجهر بمواقفه بشكل رسمي عبر وسائل الإعلام, وهذا ما يميز حماس ويمتن جبهتها الداخلية.  

 

في الحقيقة أننا لا زلنا ننتظر الاطلاع على تفاصيل ما تم الاتفاق عليه في القاهرة بين فتح وحماس, ليس تشككا في احد, بقدر ما سيؤدي هذا إلى وضوح الرؤية أمام الجميع, ومنع ترويج الإشاعات والدعايات التي قد يستخدمها البعض لتأجيج المشاعر وإثارة الأزمات, وقد وضح دور الاحتلال الصهيوني الذي يتحدث عبر وسائل إعلامه المختلفة عن قضايا مصيرية, كقبول حماس بالتفاوض حول الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67م, وتسليم سلاح المقاومة أو على الأقل تأطيره, ووضع ملف الجنود الصهاينة لديها على طاولة المفاوضات دون القبول بشروط حماس للشروع في جولة مفاوضات جديدة, وغيرها من الأمور التي لا يقبلها العقل ولا يستسيغها منطق, ان الضمانة الحقيقية لنجاح المصالحة الفلسطينية, تتطلب ان نتمسك كفلسطينيين بمواقفنا الثابتة في مواجهة الاحتلال, ونحن دائما نراهن على شعبنا, الذي لا يمكن ان يقبل بأن تذهب تضحياته سدى, وهو لم ولن يكون يوما ورقة ضغط على المقاومة لتقديم تنازلات بأي شكل كان, وإنما سيكون سيفا بيد المقاومة لمواجهة مخططات الأعداء,  ونحن على يقين ان هذا الشعب سيواصل عطاءه وتضحياته كما كل شعوب الأرض التي قدمت عظيم التضحيات, حتى نالت حريتها, واستعادت كرامتها المسلوبة, وانتزعت استقلالها بالقوة من بين انياب الأعداء, فالمصالحة يجب ان تكون بمنطق الشعب, وليس بمنطق الأعداء. 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق