جميل عبد النبي
مبدئيا؛ لا شيء بلا ضوابط،،، ولا حرية مطلقة من أي قيد، ولا حتى في الغابة، فحتى وحوش الغابة تعرف حدودها التي عليها أن تحترمها ولا تتجاوزها، وتجدها تحترم أماكن سيطرة الآخرين، وهذا بلا شك شكل من أشكال القيد الذي يصادم مفهوم الحرية المطلقة.
بكلمة أخرى: كل التفاصيل الكونية حتى غير الإنسانية لا تتحرك بلا ضوابط، ما يعني أن هناك حدودا لكل شيء لا بد وأن يتم مراعاتها والالتزام بها، ما دون الإنسان من المخلوقات تتحرك وفق هذه القاعدة، بوعي او بدون وعي، ولا تتجاوزها، الإنسان وحده هو الكائن الذي يتجاوز هذه الضوابط، وأحيانا لا يعيها، لغاية لا يعلمها إلا الله، ما يعني أنه دائم الحاجة إلى جهة تعيد تقويمه بين الحين والآخر، وهذا بالضبط ما اصطلح على تسميته في العصر الحديث بالنقد.
النقد إذن ليس سلوكا تجميليا يقوم به الإنسان، ليبدو أكثر جمالا أو أكثر ثقافة من الآخرين، النقد حاجة إنسانية، بدونها ستنحرف المسيرة الإنسانية عن جادة الصواب، ولا يوجد أي إنسان مهما علا شأنه يمكنه الادعاء بأنه لا يحتاج إلى النقد، ولا حتى الأنبياء أنفسهم! وهذا ما سجله القرآن في أكثر من موضع على مجموعة من الأنبياء عليهم السلام، بدءا بآدم، وحتى محمد عليه الصلاة والسلام.
لقد تحدث القرآن الكريم عن أخطاء متعددة وقع بها الانبياء عليهم السلام، ولعل إصرار القرآن على تسجيل هذه الأخطاء يعطينا إشارة مقصودة إلهيا، بأن أحدا لا يمكنه الادعاء بانه معصوم من أي خطأ، طالما أنبياؤه يخطئون!
المعادلة إذن: لا سلوك بشرياً بلا اخطاء، وعليه فلا أخطاء لا تحتاج إلى تقويم.
وبالعودة قليلا إلى موضوع الحرية، فإن كوننا نؤمن بأن مفهوم الحرية المطلقة من كل قيد لا وجود له، وليس هو غاية في ذاته، فإن هذا لا يعني قبول فكرة التوسع في هذه القيود، إلى الحد الذي يقتل قيمة الحرية، وإنما الاكتفاء منها بالحد الأدنى، بحيث لا تؤثر على كون الإنسان خلق حرا ويجب أن يظل حرا، بخلاف المخلوقات المسيرة المحرومة من نعمة العقل، لكن- مرة أخرى- بشيء من القيود، التي لا تقتل مبدا الحرية، ولا تحولنا إلى ما دون الأنعام.
ويمكن إجمال القيد الذي يمكن قبوله ب «الاقتراب من حرية الآخرين» بمعنى أنك مخلوق كامل الحرية إلا فيما يضر بالآخرين، وهذا في حد ذاته قيد، وإن كان في حده الأدنى.
ما يحدث أن الكثيرين ممن يتبوأون المواقع العامة المؤثرة في حياة الآخرين لا يتقيدون تماما بقاعدة عدم الإضرار بالآخرين، لا يحدث ذلك بالضرورة عن قصد، لكن طبيعة المواقع التي يتصدرون لها تجعل من كل ما يصدر عنهم مؤثرا في حياة غيرهم، وأحيانا بما يضر غيرهم، وبسبب الطبيعة الإنسانية التي تميل إلى التمرد على القيود، فإن ما يحدث في الغالب أن لا يلتفت هؤلاء إلى تبعات أفعالهم على الآخرين، وأحيانا يمنحون أنفسهم حقوقا تتجاوز ما يستحقون، أو ما يجب أن يمنح لهم.
هنا تبرز الحاجة للتقويم وإعادة دفة الحياة إلى حيث يجب أن تكون، بمعنى أن النقد الذي يهدف إلى التقويم قد تحول إلى حاجة لا بد منها، بدونها سنستمر في الانحراف، أي أن النقد ليس مجرد وسيلة للتشهير، حيث هو بالأساس لم يكن وسيلة للتشهير.
كل المؤسسات التي تسعى لأن تحافظ على سلامة مسيرتها، لا تكتفي بقبول النقد وحسب، وإنما تنشده وتحرض عليه، ويمكننا الادعاء بأن الإسلام فد فعل ذلك من خلال مجموعة من النصوص القرآنية والتراثية، فلقد أقسم القرآن الكريم بالنفس اللوامة، واعتبر النبي خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وكان الخلفاء الأوائل المحترمون يحثون الناس على تقويمهم، ويعتبرون أن لا خير في أمة لا تتجاسر على قول ما تراه حقا، ولا خير في حاكم لا يستمع لنبض شعبه.
هكذا يبدو أيضا أن النقد ليس مجرد حق يمكنك التنازل عنه إن شئت، وإنما واجب عليك القيام به، وقد يطالك شيء من الإثم إن أنت لم تفعله «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون* كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون»..» واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة».
ومن المهم التأكيد على أن متبوئي المواقع العامة من الجهات والأشخاص، عليهم أن يعرفوا أنهم ليسوا أعلى شأنا من الأنبياء، الذين سجل عليهم القرآن الكريم بعض الملاحظات العلنية، وليس كما يطالبنا الحريصون جدا بما يسمى النصيحة السرية، حيث النصيحة السرية لا تصلح مع القضايا العامة ولا الشخصيات العامة، لأن أثرها عام، إنما هي للقضايا الشخصية التي طالبنا الإسلام بسترها على الناس. أما فيما هو عام، وذو أثر عام، فإن النقد العام هو الوسيلة الفعالة لتصويب الخطأ، حيث يساهم النقد العام- إضافة لتصويب الخطأ- برفع مستوى الوعي لدى الجمهور المتابع والمهتم والمتأثر بأداء الشخصيات العامة والسياسات العامة.
أخيرا، فكما أن للحرية ضوابط، فإن للنقد أيضا ضوابط لا بد منها، وهي لا تتجاوز البعد عن التكفير والتخوين والشتم، ما دون ذلك يمكن لمن شاء ان يقول ما شاء وقتما شاء، طالما هو يعبر عن قراءته للأحداث من زاويته التي يقف عليها، وينظر من خلالها.
وعلى الناقد أن يقبل نقد نقده، فالنقد ونقد النقد لا بد وان يظلا مكفولين، حتى نضمن الوصول إلى أقرب السبل إلى الصواب، وكلاهما( النقد ونقد النقد) لا بد وان يبتعدا عن الشتم والتكفير والتخوين، أما كشف مخاطر السياسات، وآثارها السلبية على المجتمع، فهذه تأتي في صلب عملية النقد، ولا يجوز باي حال منعها، أو التلويح للناقدين بشيء من التهديد، سواء التهديد المعنوي أو المادي، وإنما الاكتفاء بمناقشة الملاحظات والرد عليها، إن كان هناك ما يستوجب الرد، أو الاستفادة مما تم لفت الانتباه إليه وتصويبه،لأن الحكمة كما يقال ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.


التعليقات : 0