رأي الاستقلال العدد (1102)
نحن لسنا مشغولين كثيرا باعتذار بريطانيا عن وعد بلفور المشؤوم, كما أننا لسنا مشغولين بتصريحات رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، بأنها ستحتفل بمرور 100 عام على وعد بلفور «بافتخار»، ولم نكن يوما ننتظر تغيرا جذريا في الموقف البريطاني تجاه القضية الفلسطينية, وندرك تماما ان هناك دورا استعماريا تكامليا بين بريطانيا والاحتلال الصهيوني, وتجمعها مصالح مشتركة وأطماع في المنطقة, وأهداف مرحلية ومستقبلية يسعون لتحقيقها, ونعلم علم اليقين ان السياسة البريطانية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياسة الأمريكية وتدور معها حيث دارت, وأمريكا هي الحليف الأكبر لإسرائيل, وتنحاز إليها انحيازا كاملا على حساب القضية الفلسطينية, ولم تكن يوما طرفا نزيها, وبالتالي لا يمكن لبريطانيا ان تكون طرفا نزيها.
وعد بلفور المشؤوم ينظر إليه الفلسطينيون على انه المقياس الفاضح للانحياز الدولي لصالح إسرائيل, وبالتالي فقد الفلسطينيون الثقة بالمجتمع الدولي وقراراته, وينظر إليه على انه طرف منحاز للاحتلال الصهيوني وليس وسيطا نزيها على الإطلاق, ودائما القرارات الدولية محل سخرية وتهكم ولا مبالاة من الشعب الفلسطيني, لأنها وان كانت في ظاهرها تصب في صالح قضيتهم, فإنها غير قابلة للتطبيق على ارض الواقع, وسرعان ما يحبطها الكيان الصهيوني,أو التصويت الدولي, أو الفيتو الأمريكي, والرهان على بريطانيا واعتذارها للفلسطينيين على وعد بلفور المشؤوم, هو رهان خاسر وغير قابل للتطبيق, والموقف البريطاني المنحاز «لإسرائيل» سيبقى ثابتا, لان بريطانيا لم تشعر يوما بالذنب تجاه الفلسطينيين, ولم يعهد عليها أنها أخذت قرارا لصالح الفلسطينيين على مدار سبعين عاما من احتلال فلسطين على يد الكيان الصهيوني.
ان الذي ينهي وعد بلفور, ويحوله إلى سراب, هو تمسك الفلسطينيين بمقاومتهم, والاستمرار في نضالهم حتى انتزاع حقوقهم المسلوبة, فالتجارب علمتنا ان الحقوق لا تمنح, إنما تنتزع انتزاعا, فالثورة الجزائرية المباركة استمرت لمدة مائة وثلاثين عاما, قدم خلالها الشعب الجزائري أكثر من مليون ونصف المليون شهيد, ثم انتزع حريته بالقوة من بين انياب الاستعمار الفرنسي, ونحن نراهن على مقاومتنا التي ستنتزع حقوقنا انتزاعا من بين انياب الاحتلال الصهيوني, دون ان ننتظر موقفا من الإدارة الأمريكية, والحكومة البريطانية, والدول الأوروبية, إرادة الشعب الفلسطيني أقوى بكثير من مواقف هؤلاء, وإصرارهم على المضي في طريق الجهاد والمقاومة مهما بلغت التضحيات, يأتي وفق القناعة الراسخة بان العالم يستند في أحكامه إلى شريعة الغاب ونظرية البقاء للأقوى, وقانونه لا يحترم الضعفاء ولا يتعاطف مع قضاياهم, ولا يدافع عنهم, فالسياسة الدولية تحكمها المصالح, وتقودها المنفعة, وتسيطر عليها لغة المال, لذلك هي حضارة مادية وليست أخلاقية.
واليوم لا زلنا نطرح هذا السؤال على أنفسنا, هل توقفت المؤامرة الدولية على قضيتنا الفلسطينية عند وعد بلفور, أم ما زال الأسوأ قادما؟ إننا نسمع اليوم عن صفقة القرن التي تديرها الإدارة الأمريكية بمباركة المجتمع الدولي, وهى أسوأ ألف مرة من وعد بلفور, لأنها لا تلتف على القضية الفلسطينية فقط, إنما تلتف على المنطقة بأسرها, وتحاول خلق شرق أوسط جديد برؤية دولية استعمارية, خاضع تماما للإدارة الأمريكية, ومتماهٍ مع إسرائيل وسياستها في المنطقة واعتبارها حليفا ونصيرا ويمكن التعايش معها, شرق أوسط يمنح كل خيراته لأمريكا وإسرائيل, ويكون مجرد تابع للسياسة الأمريكية, شرق أوسط لا يملك من الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية إلا ما تسمح به الإدارة الأمريكية, ويجعل «إسرائيل» هي القوة الأكبر في منطقة الشرق الأوسط والتي لا يستطيع احد مجابهتها, أليس هذا اخطر مئات المرات من وعد بلفور المشؤوم, لكن الأغرب ان هذا المخطط رغم خطورته الكبيرة, يمضي بموافقة رسمية من الدول العربية ودول إسلامية, والشعوب للأسف في غالبيتها لا تدري حقيقة ما يحدث, لأن ما يتم تسويقه على شعوب المنطقة, أنها مجرد مشاريع اقتصادية تهدف لإنعاش الاقتصاد, وتطوير المشاريع, وخلق فرص عمل جديدة للشباب, وجلب الأموال وتشجيع الاستثمار, وقد تستفيق الشعوب على استعمار جديد يتحكم في اقتصادها ومالها وثقافتها وتاريخها, فالقادم أسوأ من وعد بلفور, والمرحلة لا تتطلب الصمت , إنما تحتاج لمقاومة بكافة الأوجه والأشكال.


التعليقات : 0