رئيسة وزراء بريطانيا.. هذا هو الاستعمار... الشيخ : نافذ عزام

رئيسة وزراء بريطانيا.. هذا هو الاستعمار... الشيخ : نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ : نافذ عزام

الموقف البريطاني المتعجرف حول وعد بلفور يفتح النقاش من جديد حول العلاقة مع المستعمرين القدماء، واكثر من ذلك يعيد النقاش حول ما حصل في الحقبة الاستعمارية، من مجازر وويلات وتدمير وعنف، خاصة أن التوجه السائد طوال العقود الماضية، كان طي صفحة الماضي تماماً، والتعامل مع الغرب والدول الاستعمارية القديمة بشكل طبيعي وكأن شيئا لم يحدث، وهذا ربما أحد أسباب إصرار رئيسة وزراء بريطانيا على عدم تقديم اعتذار في مئوية وعد بلفور وتأكيد افتخارها بما حصل.

 

إننا لا نطالب هنا بإشعال الأحقاد، وإثارة الكراهية بين الأمم والشعوب، ولكن جرى التعامل مع الحقبة الاستعمارية بطريقة خاطئة من قبل معظم الدول العربية والإسلامية، ومن كثير من النخب والمثقفين.

 

كان المنطق يقضي بإجراء مراجعة كاملة وموضوعية لسنوات الهيمنة الاستعمارية على بلداننا وشعوبنا، وكان طبيعيا أن توصلنا تلك المراجعة لرؤية واضحة على ضوئها يتم اتخاذ مواقف قوية وجازمة، تكون في الحد الأدنى إصراراً على مطالبة الدول الاستعمارية بتقديم اعتذار لا لبس فيه على الجرائم التي وقعت ضد الامة، ودفع تعويضات على النهب المنظم لمقدراتنا وأوطاننا طوال عهد الاستعمار، وداخليا كان يجب ان يتم التعريف أكثر بما حصل في عهود الاستعمار، وبالمآسي التي تسبب بها المستعمر للملايين من البشر، ولكن للأسف، فإن شيئا من ذلك التقييم لم يحدث، وذهبنا في علاقتنا بالمستعمرين القدماء إلى أبعد الحدود، وتم استقبال قادة تلك الدول في بعض الاحيان استقبال الابطال، بل وجرى الحديث عن انماط المستعمرين القدماء وكأنها وحدها التي ستخلصنا من المشاكل والأزمات، وأنها يجب أن تكون المثال الذي نحتذيه إذا أردنا تطوير حياتنا، وامتلاك ناصية الحضارة والتقدم.

 

لقد تصرفت الحكومات والدول العربية والإسلامية ومعها بعض النخب الفكرية والأكاديمية بطريقة فيها الكثير من الابتذال وفقدان الذاكرة وبدا وكأننا نلهث خلف رضى المستعمرين القدماء وأُعطياتهم، ورغم  حاجة الدول الغربية لنا اقتصاديا وسياسيا، ورغم مصالحها العديدة مع دولنا إلا أن الامور في معظم الأحيان أخذت منحنى آخر، وبات تكرم قادة تلك الدول بزيارة بلداننا إنجازا كبيرا نفاخر به، وبات توجيه دعوات منهم لقادة دولنا أملا يستحق الاحتفال إن تحقق ولذلك لم تجن الدول العربية والإسلامية الكثير من الفوائد من العلاقات مع الغرب، وحتى على صعيد المواقف السياسية، كانت تلك العلاقات لمنطق المقايضة والمساومة وتُعد القضية المركزية للعرب والمسلمين –القضية الفلسطينية- مثالا صارخا على غياب التوازن في علاقات دولنا مع الغرب، وغياب الأخلاقية عن السياسة الغربية في مواجهة الجرائم الفاضحة والوحشية التي تعاملت بها «إسرائيل» مع الفلسطينيين والعرب عموما، ولذلك لم يكن غريبا أن نسمع رئيسة وزراء بريطانيا وهي تتحدث بلهجة متجردة من الانسانية ومليئة بالاستعلاء والغطرسة، إذ ماذا كانت تعي بأنها تشعر بالفخر إزاء دور بريطانيا في قيام «إسرائيل» ببساطة هذا يعني أنها لا تشعر بالفخر إزاء النكبات والمجازر ومئات آلاف الشهداء والجرحى والسجناء والمبعدين والمشتتين واللاجئين.. تشعر بالفخر إزاء مأساة شعب اقتلعه قرار حكومتها قبل مائة عام من أرضه، ولا زالت تلك المأساة تتسع يوما بعد يوم.. تشعر بالفخر أمام أجيال من الفلسطينيين فقدت حقها في حياة آمنة وكريمة، ولا زالت تدفع ثمن قرار حكومة صاحبة الجلالة.. ويضاعف من حجم التناقض أن العالم كله يرى حال الشعب الفلسطيني، ويرى حجم الظلم الواقع بحقه ويرى الفظائع التي ارتكبتها «إسرائيل» ضده، ورغم ذلك تأتي المسئولية البريطانية لتعبر عن فخرها بهذا الإرث الدامي الذي خلفه قرار حكومتها منذ مائة عام.. وتصر على رفض تقديم الاعتذار للضحايا والأسر المنكوبة وملايين المشتتين، وأجيال من المتضررين من الاحتلال وسياساته.. أين الإنسانية التي قام عليها العالم الحر؟.. أين التضامن مع ضحايا الصراعات والنزاعات والحروب؟ أين العمل على دعم الشعوب لنيل حريتها واستقلالها؟

 

يبدو أن التاريخ يعود إلى الوراء، رغم إصرار الكثيرين على أن عقارب الساعة لا تعود إلى الخلف.. رئيسة وزراء بريطانيا تصر على العودة إلى الوراء، وتصر على تذكيرنا بالماضي الاستعماري لإمبراطوريتها التي كانت لا تغيب عنها الشمس كما كانوا يقولون، وتصر على التأكيد لكل الشعوب والأمم ولكل الأجيال، أن بريطانيا لم تغادر روحها الاستعمارية ولم تأسف على عشرات الآلاف من الضحايا  الذين سقطوا بسبب قرار كارثي لها..

 

أمام هذا المشهد الغرائبي هل سيظل الموقف العربي على حاله، وهل ستظل بريطانيا العظمى بلدا صديقا وحليفا لا غنى عنه؟!.

التعليقات : 0

إضافة تعليق