معروف الطيب
مرة أخرى يتلون الأفق بالدماء.. ويلتحم الدم الفلسطيني في ميادين الشرف والبطولة، رغم ضجيج الصواريخ إلا أنها كانت أكثر حضوراً وأعلى صوتاً ، وكأنَّ الدم يأبى إلا أن يكون وحده الشاهد على الوحدة الوطنية.. لقد سالت دماء قادة ورجال سرايا القدس في سياقها الطبيعي باتجاه وعد الآخرة الذي وعدنا الله أن نكون من عباده، ووعد صهيون أن يكون من خسائره وضحاياه، وكان الإعداد رحلة ليست بالنزهة ومن المتوقع أن هذه العجلة التي ينطلق بها المجاهدون ويسابقون بها الزمن للوصول إلى مستوى الردع المناسب الذي يجعل العدو أكثر حيرة ومفاجأة؛ كي يسهل على عباد الله إساءة وجهه، ومن ثم إزالته من الوجود.
إن من أهم ما يدفعنا للطمأنينة في سياق هذا الحادث المفجع هو أن رجال الله لا يتوقفون في مسيرة الإعداد وليس لديهم ما يسميه المحللون «استراحة المقاتل» فنحن قوم لا نستريح حتى تحقيق النصر المؤزر وترفرف رايات فلسطين في فضاء الوطن المقدس. لا يعيب القادة أن يكونوا أول المستشهدين ؛ لأن مكان تواجدهم في الصفوف الأمامية بل هو تاج وقار نفخر به أمام الأمم أن قادتنا لا يتراجعون بل يقتحمون ويتقدمون حتى الرصاصة الأخير وقطرة الدم الأخيرة والنفس الأخير.
وإنَّ اللوحة التي نقشت بالريشة الحمراء رغم الجرح ورغم القرح لهي في قمة بهائها عندما اختلطت دماء أبناء القسام من قيادة النخبة وجنوده بدماء إخوانهم من قيادة وجنود سرايا القدس ، وهم عندما هبوا ليلبوا نداء الواجب كانوا يدركون أيضاً أنهم ليسوا في نزهة وليس ثم في الحفرة إلا الاستشهاد.. إن الدم الغامر يستوقفنا قليلاً؛ ليقول لنا إن طبع الفلسطيني البطولة، وتقديم الواجب على الإمكان، ومهما كانت الفاتورة لن نرعوي عن التواجد حيث يجب أن نتواجد، وهذه ا الصفحات المشرقة هي الأصل في وجداننا الجمعي وليس ما شاب من ضباب في العصر السابق فنحن كلنا للوطن ونحن صف واحد ودمنا يستقطب دمنا .
أما للقراءة فيما وراء الدم فبلا شك أن الموقف قمة في الحساسية حيث ينتظر الدم الثأر ولكن هذا الثأر لا يأتي مندفعاً أهوج بل يراعي مصلحة الوطن العليا ولا يأتي في سياق التشفي الذاتي، وطالما أننا نتحدث عن شعب واحد فنحن ملزمون بوضع كل الاعتبارات في الحسبان، بنفس قدر حرصنا على تحقيق التوازن والردع وهو حق مشروع لنا لا جدال في أهميته،؛ لأن العدو يعلم أن عدم ردنا يعني أن يصبح استهداف رجالنا عادة، وبالتالي فرض قواعد اشتباك جديدة.. كما يعني في المقلب الآخر إن نحن قمنا بالرد بصورة منفردة أننا ندير ظهرنا للمصلحة العليا للشعب وهذا أمر غاية في الخطورة وبالذات في هذه اللحظة الحساسة من تاريخنا حيث الكل مجمع على أهمية المصالحة وضرورة انجازها.
إذن هما أمران أحلاهما مر والسير وفق هذه المعطيات يشبه السير في حقل الألغام ولا أظن السرايا ومن خلفها قيادة حركة الجهاد يعجزها السير في حقول الألغام فهم أساتذة القرار السليم والتميز في كافة المجالات. يبقى للدم سطوعه ووضوح دلالاته، وكل التحية للسرايا والقسام رجال الله في زمن فرض المعادلات، وعض الأصابع.


التعليقات : 0