رأي الاستقلال العدد (1103)
لم تكن دماء القادة العظام إلا نبراسا وخارطة للأمة التي أخذت على عاتقها مواصلة النضال والتضحيات حتى النصر والتحرير, فعندما يقدم القادة العظام أرواحهم في سبيل الله, فإنهم يجسدون المعنى الحقيقي للفداء, ويغرسون في الأجيال اللاحقة معاني أصيلة للعطاء الذي يتجاوز حدود الجسد والروح, ومن هؤلاء العظام الذين افتدوا الوطن بأرواحهم الشهيد القائد والمدير العام المؤسس لصحيفة الاستقلال هاني عابد الذي استشهد في الثاني من نوفمبر 1994م على يد الموساد الصهيوني بتفجير سيارته, فقد كان رحمه الله نموذجا للتضحية والفداء, ورجلا نذر نفسه في سبيل الله عز وجل لخدمة قضيته الفلسطينية, وكان لا يكاد يجد وقتا للراحة, فقد كان محاضرا في جامعة العلوم والتكنولوجيا بخانيونس, ومديرا عاما لصحيفة الاستقلال, ومجاهدا صلدا في القوي الإسلامية المجاهدة – قسم, هذا بخلاف نشاطاته الاجتماعية وخدمته للفقراء والمحتاجين وانشغاله بحل العديد من المشكلات, ورغم صغر سنه إلا انه عرض عليه ان يكون «مختارا» لعائلته نظراً للباقته في الحديث, وعلاقاته الاجتماعية الواسعة, وقدرته على الإصلاح بين الناس, لقد كان رحمه الله قائدا فذا ومحل ثقة وإجماع.
وبما أننا نتحدث عن نماذج من القادة العظام, فان الشهيد القائد عرفات مرشد أبا عبد الله قائد لواء الوسطى, ضرب نموذجا يحتذى في التضحية والفداء, وذلك عندما علم ان مجموعة من مجاهدي السرايا داخل أحد الأنفاق التي قصفها الاحتلال الصهيوني بالغاز السام, فأبى رحمه الله إلا ان ينزل بنفسه لداخل النفق في محاولة لإنقاذهم, ورغم محاولات إثنائه عن ذلك إلا انه أصر على النزول للنفق, وتبعه نائبه الشهيد القائد حسن أبو حسنين, وتبعهما المجاهدون الثلاثة الأبطال عمر الفليت, واحمد أبو عرمانة, وحسام السميري فلقوا ربهم شهداء من اجل الواجب, وقدموا نموذجا يحتذى في التضحية والفداء, فكانوا قدوة لمن بعدهم, ومثلوا معا دليلا واضحا وجليا على ان القادة الحقيقيين دائما في مقدمة الصفوف, لذلك لا غرابة ان نجد عشرات الآلاف من أبناء شعبنا الفلسطيني يشاركون في تشييع هؤلاء الشهداء الأطهار, وأبناء السرايا يحملون القادة فوق الأعناق بعزة وفخر, وقد انهمرت الدموع ليس من اجل الشهادة فهي أمنية لهؤلاء الرجال, إنما من اجل فراق قائد ومعلم كبير ورجال أصبحوا رموزا لهؤلاء الرجال.
وبما أننا نتحدث عن الرجال بالمعنى المتكامل للرجال الاستشهاديين, وحتى تكتمل الملحمة البطولية فقد امتزجت دماء مجاهدي كتائب القسام بدماء أبناء سرايا القدس, فقد تلاحمت السواعد القسامية مع سواعد مجاهدي السرايا لانقاذ المجاهدين داخل النفق, فسارع الشهيد القائد مصباح شبير ابن القسام البطل والشهيد القسامي البطل محمد الأغا لانقاذ زملاء السلاح والميدان وأخوة الدم والشهادة, فارتقيا إلى العلا وهما يجاهدان من اجل انقاذ اخوانهم من داخل النفق, وكأن الدماء التي امتزجت في ميدان الكفاح بين مجاهدي القسام وسرايا القدس, رسمت خارطة حقيقية للمعنى الشامل والأدق للمصالحة الفلسطينية التي يراها المجاهدون بعين المقاومة وليس بما يسمى بالسلام, فقد تلاقت خطوط الدماء, واختلطت الأشلاء المتناثرة ببعضها, وانهمر التراب ليغيب ملامح الوجوه النضرة ويشرق وجه فلسطين الباسم, ويزين الميدان برايات القسام والسرايا, وتعلو صيحات الله اكبر ويصدح الشهداء بالنداء ( يا دمنا دلنا على دمنا), لقد سطرت الملحمة البطولية بأحرف من نور, ولم تنته تفاصيلها عند هذا الحد, فالملحمة لا زالت مستمرة, والشهداء من أبناء السرايا والقسام يسلمون الراية وهى عالية خفاقة لمن يخلفهم, ومن يستطيع ان ينتصر لفلسطين وشعبها, إنها راية العز والفخار التي يحملها أجيال من الشهداء الأبرار ويتوارثونها جيلا بعد جيل.


التعليقات : 0