بقلم : تيسير الغوطي
نعيش هذه الأيام الذكرى المئوية لأول وأسوأ محطات الصراع مع المشروع الصهيوني الاستعماري على أرض فلسطين المباركة ، ذكرى وعد بلفور ذلك الوعد المشئوم الذي تضمنته الرسالة التي أرسلها وزير الخارجية البريطانية آرثر جيمس بلفور في الثاني من نوفمبر 1917 إلى اللورد روتشيلد وقال فيها: «إن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وأنها ستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية»، وقد عملت الحكومات البريطانية المتعاقبة على تاريخ تلك الرسالة على تسهيل مهمة تحقيق الوعد على الأرض خاصة بعد هزيمة الدولة العثمانية وتقاسم أملاكها بين الدول الاستعمارية المنتصرة حيث كانت فلسطين من نصيب بريطانيا، فسمحت وسهلت للعصابات الصهيونية التمكن والسيطرة في فلسطين من خلال أهم أمرين لاقامة الدولة وهما الشعب والأرض، اذ فتحت الباب على مصراعيه أمام الهجرات اليهودية من كافة مناطق العالم الى فلسطين، وفي نفس الوقت مهدت الطريق أمام تلك العصابات للاستيلاء على الأرض الفلسطينية سواء عبر الشراء من الفلاحين بشكل مباشر أو غير مباشر عبر الوسطاء، وصولا الى الانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها القوات البريطانية أمام تلك العصابات للاستيلاء عليها في حرب 1948م.
الوعد البريطاني المشؤوم لم تكن دوافعه الانسانية والرأفة باليهود, انما كانت تحكمه المصالح الاستعمارية لبريطانيا القوة الاستعمارية الاولى في ذلك الوقت ومن خلفها الدول الغربية وأول هذه المصالح ادامة تفتيت المنطقة العربية الاسلامية بزرع هذا الكيان الغريب عن المنطقة ، ذلك التفتيت الذي تولد من اتفاقية سايكس- بيكو بين بريطانيا وفرنسا والتي قسمت أملاك الدولة العثمانية (المنطقة الاسلامية)بين الدول الاستعمارية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى.
وثاني هذه المصالح الاستعمارية للحيلولة دون اعادة الوحدة الاسلامية أو العربية التي قد تشكل خطرا على مصالحها الاستعمارية ، رغم أن بريطانيا قطعت وعودا على نفسها للشريف حسين بتسهيل اقامة خلافة عربية تحت سلطانه مكافأة له على خيانة الدولة العثمانية وطعنها في الظهر وذلك خلال مراسلات حسين – مكماهون السرية.
وثالث هذه المصالح الاستعمارية التخلص من المسالة اليهودية في أوروبا التي كانت تشكل أرقا للحكومات الأوروبية من هذه المجتمعات المنغلقة على نفسها وغير المنسجمة مع محيطها الأوروبي فضلا عن مؤامراتها ودسائسها الشريرة .
ورابع هذه المصالح الاستعمارية التي كانت تطمح اليها بريطانيا هو استمالة يهود الولايات المتحدة الامريكية للضغط على الحكومة الامريكية للدخول في الحرب بجانب الحلفاء لما لهم من تأثير على قرار تلك الحكومة.
وخامس هذه المصالح الاستفادة من الدعم المالي اليهودي في تغطية تكاليف المجهود الحربي البريطاني خاصة وانهم كانوا يسيطرون على مفاصل المال والاعلام في عديد الدول الاوروبية.
ويلاحظ ان هناك بونا شاسعا في محاولة بريطانيا وامثالها من الدول الاستعمارية والتي تمثلها الولايات المتحدة اليوم، لتحقيق وعودهم للزعماء العرب ووعودهم للزعماء الصهاينة، ففي الوقت التي تبذل تلك الدول قصارى جهدها لتنفيذ وتحقيق وعودها للزعماء الصهاينة فانها تتنصل من وعودها للزعماء العرب وتبقى تلك الوعود حبرا على ورق، ولا ينال منها الزعماء العرب الا الخزي والعار والحسرة والندامة كما حصل مع الشريف حسين حين تنكرت بريطانيا لكل وعودها له ونفته الى جزيرة قبرص، ولم يكن بوسعه الا ان يقول بكل حسرة وندامة»هذا جزاء من يصدق وعود بريطانيا»، وللاسف فإن زعماء العرب لا يتعظون ولا يتعلمون من التاريخ ، وما زالوا حتى اللحظة يلهثون وراء وعود امريكا(والغرب عموما) بخصوص القضية الفلسطينية ، وبكل تأكيد لن ينالوا من وراء هذا اللهثان الا كما نال الشريف حسين من بريطانيا.
ان وعد بلفور للحركة الصهيونية باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لم يكن موقفا عابرا لتحقيق بعض المصالح السياسية لبريطانيا في حينه، بل هو موقف اصيل ومتأصل لدى القيادات والحكومات الغربية تجاه العالم الاسلامي، يكرس النظرة الاستعمارية للمنطقة الاسلامية وبالذات العربية منها، وفي هذا السياق يأتي موقف رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي اكدت انها ستحتفل بمرور مائة عام على وعد بلفور وبافتخار ، حيث اكدت انها تفتخر بدور بريطانيا في اقامة دولة اسرائيل، ورفضت وما زالت ترفض تقديم اعتذار عن هذا الوعد الذي اسس لأخطر جريمة عنصرية في القرن العشرين تمثلت بإحلال شعب مكان شعب آخر بعد طرده من ارضه وارتكاب ابشع الجرائم واخطرها بحق ابنائه ، ضمن ابشع جرائم التطهير العرقي الذي عرفتها البشرية على مر التاريخ، فضلا عن ذلك فإن هذا الوعد يحقق التزاوج في المصالح والتوجه بين التيارات الغربية المسيحية المتصهينة والصهيونية تجاه العالم الاسلامي والعمل على تجزئته وتفتيته لادامة السيطرة عليه وعلى ثرواته ومقدراته.
ان ما يجري اليوم من محاولات امريكية (ومن خلفها الدول الغربية) لتفكيك الدول القطرية في العالم العربي واعادة تقسيمها وتجزئتها على اسس عرقية وطائفية، انما هو امتداد طبيعي لوعد بلفور ضمن الهجمة الاستعمارية الغربية على العالم الاسلامي حضارة وثقافة ، تاريخا وجغرافيا.
وفي مواجهة وعد بلفور والوعود الامريكية الحالية للزعماء العرب علينا :
اولا: أن لا نثق في هذه الوعود باي شكل وأي مستوى ، بل نضعها ضمن سياق الهجمة الاستعمارية على المنطقة الاسلامية.
ثانيا: أن لا ننخرط في هذه المؤامرة الاستعمارية وننفذها على ارضنا وبأيدينا، ونجعل من دماء ابنائنا وثرواتنا ومقدراتنا وقودا لتمكينها في ارضنا.
ثالثا: أن نرقى بأنفسنا ووعينا لنكون على مستوى التحدي الغربي ونتمكن من تجاوزه باعتبار ذلك بداية الطريق الصحيح والسليم لتحرير الارض والانسان والمقدسات واعادة البناء على الاسس السليمة التي تتوافق وحضارتنا وثقافتنا .


التعليقات : 0