معروف الطيب
بدا الانهاك واضحاً على رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري في لقائه العتيد على فضائية العربية، ولا يحتاج المحللون وقارئو لغة الجسد إلى كثير من الجهد للكشف عن تعرضه للإهانة والعنف الجسدي والحرمان من أدنى الحقوق البشرية فالرجل تحت عينه آثار كدمة لم تخفها كل أصباغ الماكياج، كما أنه تناول ثلاث كؤوس من الماء، من أمام المذيعة حيث تعمدوا عدم وضع الماء أمامه مباشرة، وهذا يعني أن المكان الذي يحتجزونه فيه ينقصه ماء الشرب، وحركة اليدين وقلة انبساطهما وتلعثمه في الحديث وعدم الادلاء بفكرة واحدة تامة ومفيدة، زادت اليقين أن الهدف من هذا اللقاء فقط هو محاولة لدحض فكرة احتجازه بينما هم من حيث لا يعلمون عزَّزوا هذه الفكرة. ابن سلمان يتجاوز كل قواعد اللعبة السياسية ويسبح منفرداً في تيار اختاره لنفسه، ويبدو كأنه يهدم العبد على رأسه، فالمنطق يقول إنَّه في حالة استعداء جهة ما يجب أن نقوي الجبهة الداخلية أولاً، ومن ثم نذهب لاستكشاف فاعلية الأدوات، ثم تفحص المواقف الحقيقية للحلفاء. ولكن ابن سلمان بدأ بأهله فقمعهم وطارد الأمراء حتى لجأ بعضهم لأعداء المستقبل، ثم استدعى الحريري واعتقله وأهانه وهو من أهم أدواته في الساحة اللبنانية المستهدفة بالتخريب القادم. وسمح ابن سلمان لنفسه أن يفكر نيابة عن الإسرائيليين والإيحاء لهم بضرورة دخول المواجهة التي ينوي دخولها فبدا أمر الحرب على لبنان وشيكاً وأن الطائرات الثلاثمائة أشعلت محركاتها للبدء في عاصفة الحزم الجديدة.
اصطدم السيناريو الصحراوي بالإرادة الصهيونية التي تعمل لحساباتها فقط فأعلن «يدلين» أن إسرائيل لن تقوم بالعمل القذر نيابة عن السعودية».. ثم أتبعه تصريح نتنياهو» نحن نعمل وفق احتياجاتنا الأمنية فقط سواء تجاه سورية أو لبنان.
كأن نتنياهو أخرج لسانه للعرب قائلا: أنتم تعملون عندي وليس العكس.. وليس إسرائيل التي تدخل في مغامرات غير محسوبة».. لا أدري كيف ستتم معالجة الأمور وبأي (عين) سيعود الحريري إلى لبنان رئيساً للحكومة وهو( ماكل كتلة) من سادته (لم يأكلها حمار في مطلع).. كيف سيعود خادماً أميناً في مشروع لا يأمن لاعبوه على أنفسهم..
يعجبني كثيراً الموقف الفلسطيني الرسمي الذي رفض الفكرة جملة وتفصيلا، ثم رفض أن يكون له دور تخريبي في الساحة اللبنانية عندما تنطلق شرارة الفتنة الطائفية في لبنان. لقد انهدَّ المعبد على رأس ابن سلمان وحده فلا الحريري قبل بإحراق لبنان ولا أبو مازن قبل بالمشاركة ولا ميشيل عون رضي بالمؤامرة بل أوصل رسائل شديدة اللهجة لكل العواصم العربية مفادها أن لبنان شعباً وجيشاً ومقاومة صف واحد في وجه المؤامرة التي تقودها دول الخليج عليه.
لم ينجح مشروع تفتيت سورية والعراق وخرجت المقاومة أقوى ولم يتمكن أحد من معاقبة اللاعب اللبناني الأبرز في منع سقوط سورية والعراق فلم يبق إلا ارتداد النار على مشعليها، لا أحد معني بالفتنة في لبنان التي عاصرت الحرب الأهلية واكتوت بنارها لسنوات عديدة، وعقلانية اللبنانيين تجعل إعادة التجربة شبه مستحيلة.. كما أن مصر العروبة أدركت أهمية دورها في منع المزيد من الحريق في المنطقة فبذل الجميع جهداً أسطورياً لانزلاق العاصفة وبقا بن سلمان حائراً يقوم بجرد الخسائر التي مني بها ليجد في القائمة استعداء الداخل، وتحطيم الأدوات، وتخلي الحليف الصهيوني، فعاد وكأنك (يا بو زيد ما غزيت). سيعود الحريري قريباً للبنان ولم يتحرك شيء داخل لبنان خلال غيبته، أجل، لابد من تدريس الغباء السياسي بالضبط كما تدرس الحنكة السياسية لأن الخطأ أحياناً أكثر فائدة، وأعمق أثراً.


التعليقات : 0