الشيخ : نافذ عزام
الحلقة الأولى
أيام قليلة ويطل علينا شهر ربيع الأول، الشهر الذي استنار فيه الوجود بمولد سيد الخلق محمد ابن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وهي فرصة لتذكيرنا بما جاء به ليغير وجه الأرض، من خلال التغيير الذي طال الإنسان ليجعله أقرب إلى ربه، وإلى الصورة التي أرادها الله سبحانه وليس الانطباع الذي احتجت به الملائكة أمام الله على خلق الإنسان « أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء» .. الهدف الأساسي أن يكون الإنسان خليفة لله، مؤتمناً على الحياة والكائنات والجماد والحيوان فإذا نسي دوره أو تمرد عليه، ستكون الصورة التي حذرت فيها الملائكة وسيملأ هذا الإنسان الأرض فساداً وظلماً ودماً وهي للأسف الصورة التي تطبع الحياة اليوم.. سنبدأ كتابة سلسلة في ذكرى مولد النور، نحاول من خلالها التذكير بجوهر رسالة النبي عليه الصلاة والسلام ولفت الانتباه إلى بعض توجيهاته التي ساهمت مع التنزيل المبارك في صناعة الإنسان الجديد وصناعة الأمة الكبيرة.
يقول عليه الصلاة والسلام: « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، كأنه حصر رسالته في تعزيز الأخلاق وكأن العبادات والشعائر والقيم الجديدة تهدف إلى تعميم حسن الخلق، كما أشار هو ذاته عندما سئل عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق ، والإثم ماحاك في نفسك .. وكرهت أن يطلع عليه الناس» .. واعتبر أن أكثر ما يدخل الناس الجنة « تقوى الله وحسن الخلق» وأن أكثر ما يدخل الناس النار «الفم والفرج» وهما أهم أداتين للفساد والإفساد .. الأخلاق في عرف النبي عليه الصلاة والسلام ليست شيئاً ثانويا، يمكن أن يلزم به الإنسان أو لا يلتزم وليست مجرد سلوك يكمل عمل الإنسان وصورته.. الأخلاق هي الدين ذاته ولا قيمة لعمل الإنسان مهما عظم، إذا انفصل عن الأخلاق وإذا تناقض معها.
وكما ورد في الحديث الذي يرويه جابر رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن من أحبكم إلى وأقربكم لي مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وأن أبغضكم إلى وابعدكم في يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا : يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون قال « المتكبرون» .. أي أن أقرب الناس إلى الإسلام وأقربهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أصحاب الأخلاق .. هم المتواضعون، الصادقون الذين لا يؤذون إخوانهم، ويحبون الخير للناس لا يحسدون لا يغتابون لا يسعون بالنميمة ليفسدوا العلاقات بين الناس، لا يكذبون، ولا يزورون ولا يضللون .. ما هي الأخلاق إن لم تكن هذا، وكيف يكون قريباً من الإسلام ، وقريباً من النبي من لم يلزم هذه الصفات، ومن لم يرتفع بهذه الأخلاق والنبي واضح وقاطع وحازم وهو يحدد الأقرب منه والأبعد عنه، وهو يصف الأحب إليه والأبغض إليه .. ما الذي يتحكم في ذلك؟ أو ما هو معيار القرب والبعد عن النبي يوم القيامة وما هو معيار الحب والبغض عند رسول الله ؟ وإنه الخلق الحسن ، مهما صلى الإنسان وصام وأنفق وحافظ على شكله ومظهره، فهو بعيد عن الإسلام وعن مجلس النبي يوم القيامة، أي أن فظاً غليظ القلب ، وإذا كان ثرثاراً لا يتوقف عن الخوض في أعراض الناس والإساءة إليهم وتشويه صورتهم وإذا كان متكبراً عليهم ويحرص على وضع الحواجز بينه وبينهم، وأكثر من ذلك يقسم النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثاً « والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه « لا يقسم النبي الا لأمر خطير، وهو يقسم ثلاثاً هنا بعدم اكتمال إيمان هذا الصنف من المسلمين، مهما كانت عباداته ومكانته يقسم بعدم اكتمال إيمان من يؤذي جاره ويسيء إليه ، وينغص عليه حياته .. نحن أحيانا ننسى هذه المعايير النبوية ، ونحتكم إلى معايير من عند أنفسنا، تصنعها أهواؤنا ومصالحنا وارتباطاتنا مع أن كلام الني واضح لا لبس فيه يقول عليه الصلاة والسلام: « ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وأن صلى وصام وحج واعتمر، وقال إني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان» هذه الرواية عن الإمام مسلم، وهناك رواية أخرى عن الإمام البخاري «اربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»، وبصراحة إننا لا نهتم بهذه المعايير النبوية، وفي أحيان كثيرة نتجاهلها ونحن نتعامل مع الأحداث والأفراد والقضايا .. صفات الكذب والغدر والخيانة والفجور في الخصومة والشطط عند الاختلاف، والتضليل تنتشر في واقع الأمة ونرفع أصحابها ونصفق لهم ونتغزل فيهم، والنبي يحذرنا من هذا ويحدد تقييم الأشخاص الذين يكذبون ويغدرون ويفجرون في الخصومة ويخلفون وعودهم، حتى لو صلوا وصاموا وحجوا واعتمروا وهي الكلمات التي وردت حرفياً في كلامه عليه الصلاة والسلام، ونحن نشيح بعقولنا ومسالكنا وبرامجنا عن ذلك كله، ونمعن في تمجيد تلك الأصناف ونضع منهم القادة والزعماء الملهمين وبصراحة إن معظم كوارث الأمة اليوم من عدم الاصغاء إلى كلام النبي عليه الصلاة والسلام بل مخالفته مخالفة صارخة، فتختل حياتنا بالتالي، وتغيب عنها البركة والموفقية ويشقى الإنسان وتتحول حياته إلى عناء متصل، وخوف وجوع وفاقة وان حسن الخلق هو الغائب الأبرز عن حياة الأمة وغيابه يمثل السبب الأبرز في هذه المقتلة الدائرة في الوطن العربي والإسلامي!


التعليقات : 0