جميل عبد النبي
إيران دولة كغيرها من دول العالم تبحث عن مصالحها، وتسعى لتوسيع نفوذها، في منطقة لا يعرف أهلها قيمتها، وربما يتسابقون في توزيع ولاءاتهم لقوى معادية، ويسارعون لفتح بلدانهم لنفوذ تلك القوى، التي لم تجلب إلى المنطقة إلا بؤسا ودمارا كبيرين، وأظن أن إيران تجد في نفسها صاحبة أولوية لمد نفوذها في المنطقة، بدلا عن تلك الدول التي وصفناها بالمعادية، فهي إذن صاحبة مصالح تسعى لخدمتها، وهذه مسألة لا تشينها إن لم تستخدم في سبيل تحقيقها وسائل مضرة، فالدول الناجحة هي الدول التي تسعى لفتح آفاق جديدة لمصالحها الاقتصادية والسياسية، وهذا في الغالب يحتاج إلى شيء من النفوذ في المناطق التي تراها صالحة لتحقيق هذه المصالح.
هذا مفهوم بالنسبة لنا، ومفهوم أيضا أن تتضارب هذه المصالح مع مصالح الآخرين، بل ومع مصالح أصحاب المنطقة ذاتهم، ولو كان الاختلاف مع إيران يتوقف عند هذا الحد، لأمكننا تفهمه، ولما وجدنا فيه شيئا مثيرا للدهشة، لكن أن نصل إلى الدرجة التي نقارن فيها إيران بإسرائيل، فلا يمكننا أن نضع هذا الهراء إلا في موضع التساوق التام مع ما تريده إسرائيل ذاتها، ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية، الراعي الحقيقي للوجود الإسرائيلي في المنطقة، والداعم الكبير لمشروع إعادة تفتيت المنطقة، كجزء من مشروع الفوضى الخلاقة التي بشرتنا بها أميركا من قبل.
ولعل من المفيد أن نذكر مروجي هذا التساؤل بما يلي:
- إيران ليست وافدا مستحدثا على المنطقة، بل هي جزء من نسيجها التاريخي، أيا كانت طبيعة العلاقة التي حكمت هذا الجوار الممتد في التاريخ، فهي ليست صنيعا هجينا كإسرائيل، ولم يتم خلفها من قبل جهات استعمارية، كما لم يتم زرعها على حساب شعوب المنطقة، إسرائيل هي التي لم يكن لها وجود إلا في الذاكرة اليهودية، وهي التي تم خلقها بقرار استعماري معادٍ، كجزء من المعاهدة المشئومة" سايكس بيكو" وهي التي من أجل خلقها وبنائها تم تهجير الشعب العربي الفلسطيني، وبسببها يعاني ملايين الفلسطينيين من اللجوء منذ سبعة عقود، وهي التي خاضت مع محيطها العربي مجموعة من الحروب العدوانية ضد شعوب المنطقة، فأي شبه بينها وبين إيران حتى يتم طرح هذا التساؤل الشاذ والمثير للاشمئزاز؟!!!
- إيران الآن دولة مسلمة، وتنتمي معنا إلى ذات التاريخ، ونتقاسم وإياها أهم أسس الدين الذي لا يمكن تجاهل أثره على ثقافة الشعوب، ورغم أننا لا نقبل فكرة توزيع شعوب المنطقة على أساس ديني، ونراها مملوكة لكل مواطنيها، بغض النظر عن انتمائهم الديني والمذهبي، إلا أن التوافق الديني يضيف بعدا آخر للتعايش والتعاون، حتى وإن كانت هناك بعض الخلافات السياسية والمذهبية.
- من المعيب أن يستمر النبش في الأبعاد المذهبية، بينما استطاعت معظم ثقافات العالم أن تتجاوز البعد المذهبي وحتى الديني، كي تعطي نفسها فرصة للحياة، ففي الهند مثلا مئات الديانات تتعايش معا دون حروب، وفي أوروبا لم تعد المذاهب المسيحية تعني الكثير للمواطن العادي، بينما لا تعني شيئا في الحقل السياسي، فهل قدر المنطقة أن تظل أسيرة لانقسامات تاريخية، لم تكن أبدا جزءا من الدين ذاته، إنما تعبيرا عن صراع تاريخي، ما كان له أن يستمر طوال هذه القرون، لولا أن رعاته قد ألبسوه عنوة ثياب الدين والتدين.
- ولعل من المفيد أيضا التذكير بأن إيران الآن هي الدولة الأكثر دعما للمقاومة الفلسطينية، والأكثر عداء للجبهة الصهيونية، ومن غير المعقول أن نصل إلى نقطة نصطف فيها جنبا إلى جنب مع الكيان الذي يغتصب أرضنا، ضد الجهة التي تساعدنا لاستعادة حقوقنا.
ان خلق أعداء وهميين في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المنطقة لا يزيدها قوة ولا صلابة، إنما يساهم في تفتيت قواها وحرف بوصلتها، وهذا بالضبط ما تريده "إسرائيل" ومن خلفها أمريكيا وريثة الاستعمار القديم وراعية الإرهاب في العالم.


التعليقات : 0