بقلم : حماد صبح
ينقب العرب المتلهفون على التطبيع مع إسرائيل عن أي تبرير له مهما بدا في نظر سواهم تافها لا إقناع فيه . وتدفعهم لهفتهم إلى تبرير خال من شرف الخلق ونبل النفس ، ويتركز هذا النوع من تبريرات التطبيع في ذم الفلسطينيين بالقول إنهم أساؤوا إلى البلد المتلهف على التطبيع وإلى مواطنيه، ومن ثم فلا موجب لمناصرتهم في أي موقف مضاد لإسرائيل التي يقولون إنها لم تسيء إلى بلادهم .
وزير الاستثمار السوداني الفاضل المبارك المتلهف للتطبيع مع إسرائيل اتهم الفلسطينيين ب"الحفر" للسودانيين الذين يعملون معهم في دول الخليج. وتأتي من السعودية ذموم كثيرة للفلسطينيين تنحو هذا المنحى ، ويذكر بعضها بموقف بعض الفلسطينيين من غزو العراق للكويت . وتأتي هذه الذموم من مصادر متنوعة في السعودية ، منها الجيش الإلكتروني الخاضع للمخابرات السعودية ، ومنها بعض الأشخاص العاديين، وبعض الكتاب.
وفي تعليق على وسم سعودي ظهر منذ أيام ، هو وسم " الرياض أهم من القدس " اتهم الكاتب عبد الله الغذامي الفلسطينيين ببيع أرضهم، وبالغدر والخيانة والحقارة. لن نتوقف عند تهمة بيع الأرض التي لا يرددها سوى من أفرط جهله بأولِيات حقائق القضية الفلسطينية ، ولن نتوقف عند وصف الكاتب المشين للفلسطينيين؛ فالوصف مغنٍ بقوة عن الرد على مطلقه، وسنتوقف شيئا عند الوسم الذي من الجلي أن وراءه جهة كبيرة مسئولة في السعودية.
من حق أي إنسان أن يرى بلاده أو عاصمتها أهم وأغلى من أي بلاد أو عاصمة في الدنيا ، ولكن لا يحق له أخلاقيا وموضوعيا ونزاهة أن يجعل موقفه هذا في موازنة تحط من قيمة البلدان الأخرى وعواصمها. لسان، بل قلب كل إنسان ، يقول : " بلاد الناس حلوة ، لكن بلادنا أحلى ". هذا شعور إنساني فطري، بل غريزة متجذرة في طبائع سائر المخلوقات، تجعل الطير يعود إلى موطنه الأصلي بعد هجرة من داعي برد أو حر أو جوع أو تكاثر. مديح الذات والإعجاب بها حقا أو باطلا لا يكون بهجاء الآخرين والحط من قيمتهم، فالهجاء والحط في هذه المعادلة أولى وألصق بصاحبهما ، وفي أمثالنا " لا يعيب إلا العائب ".
الرياض عزيزة على مطلقي الوسم ؟! حبا وكرامة ، هذا هو الواجب والأصل ، وهي عزيزة علينا عربا ومسلمين شأنها شأن أي بلد عربي أو مسلم ، وتتسع إنسانيتنا حتى تعم بالمعزة والمحبة أي مدينة أو بقعة في العالم ، فنحب لها الخير ونكره أن ينوبها الشر ، ولكن لماذا وضع الرياض في موازنة مع القدس ؟! هذا هو الخَطَل في النظر إلى الأمور ، والأسوأ : هذا هو الضلال في الولاء والانتماء . القدس عاصمة عربية إسلامية يغتصبها غزاة معتدون ، وهي مدينة الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، وأرض المسرى والمعراج ، وهي وقف إسلامي لا يحق لمسلم أن يفرط فيه. ويتوغل الغذامي في الإساءة للفلسطينيين ، وفي عنصرية هوجاء من الإعجاب السقيم بالذات يقول إن السعوديين أحق بالقدس من الفلسطينيين ! ومع فحش عنصريته نقول إن الأحقية في الأساس متساوية بين كل المسلمين، ويأتي التفاضل بعدئذ وفق التضحية لحماية القدس وتحريرها ، وتعرية من فرط في حقها ، ويندفع الآن أهوج متهورا مضطرم اللهفة للتطبيع والتحالف مع مغتصبيها ومضطهدي أهلها . ماذا يقول هذا الرجل وأمثاله من الرُعن المتصهينين ل 7000 أسير رجالا ونساء وصبيانا وصبايا تذوي أعمارهم في سجون إسرائيل عقابا لهم على مقاومة اغتصابها لوطنهم وحقهم في الحياة ؟! ومن بين هؤلاء الأسرى والأسيرات 680 من القدس ؟!وكيف ينظر في عيون آلاف الأسر في القدس التي هدمت سلطة الاحتلال وما زالت تهدم بيوتهم ، وتجبرهم على دفع ثمن الهدم الذي نفذته جرافاتها ؟! واضح أنه لا يعرف هو ومن يرددون لغوهالأسود المستقبحأي شيء عن حال القدس .
أقارن ضحالات ونذالات من يتخذون ذم الفلسطينيين تبريرا للتطبيع والتحالف مع إسرائيل بموقف مواطن سوري تقاسي بلاده الويلات منذ سبع سنوات من تآمر العرب المتصهينيين ؛ عبر عنه في تعليق له على خبر في موقع " رأي اليوم " ، وبين فيه أنه يؤكد لصغاره كل يوم أن فلسطين أرض عربية مغتصبة ، وأن تحريرها آتٍ يوما مهما طال الاغتصاب وظلمه. هذا ابن سوريا التي ضحت بالآلاف من شهدائها وجرحاها ، وبخبز أبنائها من أجل فلسطين دون من ودون شكوى ، وتصنفها إسرائيل عدوها الأبدي.
حقا إن الناس يختلفون أعمالا وأقدارا ، وكم هو حكيم شاعرنا العظيم المتنبي إذ يقول : " على قدر أهل العزم تأتي العزائم * وتأتي على قدر الكرام المكارم " ، ومن أين للمتصهينين العرب العزائم والمكارم ؟! لو كان لهم شيء ولو نزر منهما ما تصهينوا تذللا وتخضعا لعدو أمتهم الحقيقيالذي لا يتفضل عليهم حتى بالمجاملة ، ويفصح بقوة عن ازدرائه لهم ، وعن سخريته من إدارتهم لشئون بلادهم القائمة على الطغيان والاستبداد والرأي الأوحد ، ومن تبديدهم أموالهم في حروب حمقاء خاسرة .


التعليقات : 0