معروف الطيب
الملفت للنظر في حادث مسجد الروضة هو ذلك الإصرار العجيب على الإيقاع بأكبر عدد ممكن من الضحايا، دقة في التخطيط، و(عبقرية) في التنفيذ، لم تكن هناك فرصة لرواد المسجد من المسلمين للنجاة من (النار) تفجيرات داخل المسجد وأحزمة ناسفة ثم مدافع رشاشة تستقبل الفارين من خلال الأبواب طلباً للنجاة، كانت (مفرمة) حقيقية (أبطالها) القتلة أجهزوا على الجميع من المصلين وكان من ضمن المصلين ما يقارب السبعين طفلاً..
كان المنفذون يرددون هتافات التكبير وهم يفجرون أنفسهم وكذلك الذين يطلقون الرصاص، وكانت الضحايا أيضاً تطلق هتافات التكبير وهم يستغيثون بربِّهم.. المأساة المرسومة على وجوه الضحايا والموصومة بعار التخلف واستنطاق الغلظة وقسوة القلب تفرض علينا الكثير من التساؤلات أهمها « ما الذي يريده الفاعلون من الناس؟!.» هل يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية؟!. ألا يكفيهم أن الناس موجودون داخل المسجد يعبدون.. سؤال آخر يلح على "جماجمنا بقوة" أين هذا الفعل المتقن ضد الصهاينة الذين هم رأس الحربة في المشروع الغربي والذين هم يدنسون المقدسات ويدوسون بحرابهم مسرى النبي محمد صلوات الله عليه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؟.
إن عملاً بهذا الحجم، وبهذا الاعداد وكمية الضحايا لو كان في السياق الصحيح باتجاه وعد الآخرة ووقع في نحور مغتصبي الأمة الحقيقيين لهو جدير بأن يرفع أسهم المنفذين ويجعلهم أنموذجاً للصدق مع ربهم إلى يوم القيامة. ولكن المجد لا يحوزه إلا أولئك الذين أفنوا أعمارهم في البحث عن جادة الطريق التي عبَّدوها بدمائهم ليضعوا الأمة على ناصية الإيمان والوعي والثورة.. لأنهم يدركون أن الثورة التي هي شكل من أشكال العنف، إن كانت محكومة بالغباء فهي أكثر إضراراً بقضيتنا من الاحتلال نفسه، وكما أنَّ الله لا يتعبدنا بالجهل فإن ثورتنا لا يجوز أن تكون مجرد حالة عصبية، أو تعبير انفعالي وشهوة تدفعنا نحو العدمية وإزهاق الأرواح.
إن الطمس على البصيرة يجعل الإنسان يفقد توازنه، ويشوه أهدافه، فيصبح كل شيء عنده بالمقلوب، فالعدو يتربع في دائرة الأصدقاء، والحبيب يصبح عدوَّاً وتسيطر الشهوة على الموقف وتصبح بذاتها الهدف.. إن الذين هاجموا المسجد بالمتفجرات والأحزمة الناسفة تمثلوا فعلاً المقولة التي يبرعون فيها « جئناكم بالذبح» ولكنهم لم يدققوا ولو للحظة في الفئة المستهدفة التي يعود عليها الضمير «كم» في «جئناكم»، كما أنهم أخطأوا اختيار الوسيلة المستخدمة وما يجب أن يستخدم من الوسائل، فالرأي لا يفرض بقوة النيران ولا يمكن أن تحل المسائل التي لها علاقة بالاختلافات من خلال فوهات البنادق وشظايا العبوات الناسفة بل على العكس تماماً فإن التطرف الذي شهدته الساحة السورية والعراقية أودى بالمتطرفين أنفسهم لأنه خلق إرادة لدى الطرف الآخر بعدم العودة عن المطالبة بالقضاء عليهم نهائياً، ورسمياً لم يعد هناك وجود للجماعات المتطرفة سوى في المساحة المسموح لهم التواجد فيها وتصفية حساباتهم معاً، لأن التاريخ أثبت أن التطرف يولد المزيد من التطرف، وأن جماعات القتل إن لم تجد من تقتله تنقسم على نفسها وتتقاتل قتالاً أشد ضراوة من قتالها لمن تصفهم « بالكفار» الذين يملؤون المساجد ولا يعبدون إلا الله.. أدرك جيداً أن كرة النار في كل مرة ترتد على مَنْ يشعلها ويذهب المتطرفون بين ثنايا صفحات التاريخ وتبقى الشعوب ولكن أكثر ما يسوؤنا هو أن الدين نفسه يحمل أوزار الذين فهموه بصورة مشوهة، ويبقى سؤال أخير إلى أين يريد المتطرفون الناس أن يذهبوا إن لم يكن إلى المساجد؟!.


التعليقات : 0