ثابت العمور
لا نختلف على حالة التردي العربي الرسمي الحاصلة، ولا نختلف على إسقاط القضية الفلسطينية من كل الحسابات الرسمية، وشخصيا لم أعجب من رؤية بعض الأنظمة الرسمية لضرورة الذهاب للتطبيع مع الكيان الصهيوني فهاته باتت أمرا واقعا، ولم أعجب من التدحرج في المحددات حتى بات البعض يرى ان تصفية القضية الفلسطينية بعد تسويتها باتت ممرا إجباريا للتقرب إلى "تل أبيب"، ولم أعجب من الترويج لصفقة القرن، ولم أعجب لتصنيف جامعة الدول العربية لحزب الله أحد ابرز مقومات المقاومة الإسلامية للكيان الصهيوني في المنطقة «إرهابياً»، لم أعجب كيف يقطع العرب أذرعهم ويلقون بعصيهم وهم يهرولون صوب الكيان الصهيوني، ولم أعجب لتشويه المقاومة الفلسطينية والتقليل منها، ولم أعجب من الصمت العربي الذي وصل حد التحريض على قطاع غزة، ولم أعجب من الهاشتاجات التي تقلل من مركزية القضية الفلسطينية، وربما لا نعجب لاحقا وقد بتنا عجائب.
كثيرة هي العجائب العربية الرسمية ومؤخرا بات يتخللها بعض عجب العجاب الشعبي، ليس المعضلة في التطبيع إطلاقا ولا في إسقاط القضية الفلسطينية من الحسابات فالطريق إلى القدس سيسقط فيه كثيرون، ولكن دعونا نعيد النظر في ما هو الثابت وما هو المتغير في وعينا وإدراكنا وهويتنا وعقيدتنا، السياسة حمالة أوجه ولكل طرف محدداته ومصالحه وحساباته سياسيا، ولكن ماذا إذا أسقطنا عقيدتنا، ماذا إذا أصبح المرور للكيان الصهيوني يقتضي ان يتجول الصهيوني « بن تسيون» في اطهر بقعة على وجه الأرض ويلتقط الصور، ويتبجح بالزي العربي، ما الفارق وما التمايز وما المسافة المنطقية والحقيقية بيننا وبين عدونا.
بالأمس عرضت قناة روسيا اليوم لقاء للصهيوني «بن تسيون» واستضافته وهو يرتدي الزي العربي التقليدي وللدقة الخليجي، بالمناسبة استضافة الصهاينة إعلاميا لم يعد حكرا على روسيا اليوم ولا يمكننا مراجعة القناة مثلا أو الأخذ عليها في ذلك، عربيا وقوميا بات الصهاينة ضيوفاً مرحباً بهم على جل وسائل الإعلام العربية وتفتح لها الشاشات ليقولوا روايتهم ويمرروا غسيل دماغ وليمر التطبيع على وعينا وإدراكنا وفهمنا وحقنا وعقيدتنا لا على القضية الفلسطينية والمقدسات والأرض والحق والدم فقط.
ظهر «بن تسيون» في استديو روسيا اليوم وخلفية الشاشة مسجد قبة الصخرة، اقترح مشاهدة الفيديو وكتم الصوت ترى هل يمكن للذين لم يرون «بن تسيون» مسبقا معرفة من هو الضيف، بدأ «بن تسيون» حديثه بأنه قام بالزيارة لرؤية أصدقائه هناك وعلى ما يبدو أنهم أصدقاء قدامى وأصدقاء الجامعة الأمريكية.
روسيا اليوم تمرر الرواية وواشنطن تمرر اللقاءات وتخصص الجامعات وتدجن النخب العربية، كنت أعيب على الذين يتبنون رواية المؤامرة ولي بعض الملاحظات على بعض الذين يشيطنون القوى الدولية حتى رأيت الأمر وقد بات فجا وملحوظا ولا يتجاهله إلا غافل، مائة عام على وعد بلفور وسبعة عقود على النكبة واللاجئ الفلسطيني ينشد حقه في العيش ينشد حقه في العودة ويتبجح "بن تسيون" انه يمتلك أربعة جوازات سفر روسي وإسرائيلي وأمريكي ورابع يخفيه لكنه يسمح له بالدخول للمملكة العربية السعودية، وهو الجواز الذي بمقتضاه دخل إلى الحرم المدني الشريف والتقط الصور فيه، قد يكون «بن تسيون» مر من خلال خديعة ولم يعلن عن هويته الحقيقية، ولكن لم نسمع ولم نر تعقيبا ولا تعليقا عندما خرج وعرض الصور، هل كان يخشى تبعات عرضه للصور وإعلانه عن الزيارة أم ان الأمر كان واحدة من مراحل المهمة الخاصة مهمة العودة إلى يثرب...! خاصة وانه ذكر في اللقاء بأنه يهودي وعائلته يهودية تقليدية ولا يخفي ذلك ولا يخشاه.
قد لا تعترض المملكة على الصور ولكن ماذا عن وقوف يهودي في الحرم وهو يعلن ذلك بعد الزيارة، سياسيا الأمر مفهوم ولكن ماذا عن الشرعي والشرعية الدينية أحد أهم أركان مقومات النظام السياسي السعودي وماذا عن ردة فعل مليار مسلم وموقفهم من زيارة يهودي لأقدس مقدساتهم هل بلغ الترويض هذه المبالغ ؟!
العودة إلى يثرب لم ترتبط بزيارة «بن تسيون» للملكة العربية السعودية مؤخرا، ففي العام 2008 عقد لقاء في واشنطن تحت عنوان حوار الحضارات وضم ملوك ورؤساء بعض الدول العربية والإسلامية وحينها وقف رئيس الكيان الصهيوني وقال أثناء إلقاء كلمته: « ان كان هنالك من ينادي بضرورة العودة إلى فلسطين فإننا بدورنا ننادي بضرورة العودة إلى يثرب» أي إلى المدينة المنورة.. ومر الأمر عربيا ورسميا دون تعقيب أو تعليق، حتى تصدر للرد الدكتور محمد سعيد البوطي رحمه الله في خطبة الجمعة يوم 21/11/2008 وقال في رده إن خيانة اليهود وغدرهم ونقضهم لعهودهم مع رسول الله صل الله عليه وسلم كانت السبب الذي جعلته عليه الصلاة والسلام يجليهم عن المدينة ويخرجهم منها، إن الخيانة هي التي قذفت باليهود خارج المدينة المنورة، وهذا أمر واضح وجلي ولا يحتاج التدليل على غدر اليهود وخيانتهم لاستحضار وبرهان.
يُعلق الدكتور محمد صالح المسفر على زيارة «بن تسيون» في مقال بعنوان « وأخيرا تحقق الحلم الصهيوني في الوصول إلى يثرب»، كتبه يوم 24/ 11/ 2017 «هناك جيل من المسؤولين السياسيين في الخليج يعتقد أن التقرب إلى إسرائيل يحقق له الأمن والسلام ويفتح له أبواب الغرب وأنه الضامن الوحيد لبقاء هؤلاء الحكام في مناصبهم طالما بقوا على قيد الحياة».
وفي عام 2014 كتب محمود رفعت زعلوك وهو كاتب مصري مقالا بعنوان «بنو قينقاع يعودون إلى يثرب» وافتتح المقال بالتالي : « إنني أشم نسيم خيبر ويثرب.. إنني أشم رائحة أجدادي في خيبر «هكذا قالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل عندما زارت مواقع في جنوب طابا؛ ومن قبلها هتف موشى دايان وزير دفاعها في باحة الأقصى عقب نكسة يونيو «هذا يوم بيوم خيبر.. لقد وصلنا أورشاليم ومازال أمامنا يثرب وأملاك قومنا فيها»؛ لم يلقِ العرب بالاً لتلك الأحاديث ربما لانشغالهم بترويج أُكذوبة إلقاء إسرائيل في اليم من دون أن ينتبهوا إلى أن اليهود يعملون ليل نهار في سبيل إبادتنا بهدف بناء دولتهم المزعومة؛ فاليهود يعيشون على أمل غزو جزيرة العرب والدليل على ذلك أيضاً احتلال القدس في صفر 1387 هـ وهو ما يوافق غزوة خيبر في صفر 7هـ.
لا يتعلق الأمر إذن بصفقة سياسية أو اقتصادية أو صفقة قرن أو تمرير مشروع سياسي لتسوية القضية الفلسطينية أو تصفيتها، لكننا أمام واحدة من اكبر المهام الخاصة التي يخطط لها اليهود، لسنا أمام مشروع يبتلع الأرض ويهود المقدسات فقط، إننا أمام مشروع يهودي صهيوني عقائدي يقتضي إعادة بناء المشروع الإسلامي الحقيقي والموضوعي بركائز صحيحة وسليمة وقوية وقادرة على مواجهة المشروع الصهيوني، ان الضرب لم يعد بالعصا الصهيونية لكننا نواجه عصا عربية اليوم تستهدف كل مقومات الأمة ومقدراتها، وزيارة «بن تسيون» اكبر من مجرد بالون اختبار، نحن أمام كي للوعي والإدراك، الكيان الصهيوني يمر الآن للتطبيع ولما بعد التطبيع بأريحية وانسيابية غير مسبوقة وواجبنا كمقاومة إسلامية وكفلسطينيين وكمسلمين مواجهة هذا المشروع وان العبء الأول والأكبر يقع على عاتقنا لأننا ببساطة رأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيوني بكامل أدواته.


التعليقات : 0