بقلم : حماد صبح
يذهل الولع السعودي للتطبيع مع إسرائيل الكثيرين في المنطقة وفي العالم . الأكثرية متفاجئة ، مستغربة ، متسائلة.
ولا ريب في أن القلة المطلعة على خلفيات حقائق العلاقة بين السعودية وإسرائيل ؛ لم يصبها ذهول الأكثرية واستغرابها وتساؤلها خاصة بعد أن تهيأت البيئة الإقليمية والعالمية لإظهار تجليات هذا الولع بكل القوة التي نراها الآن . ولتفسير الولع السعودي للتطبيع مع إسرائيل يلزمنا أن ندرس مؤثراته التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية . ونجتزىء هنا بدراسة المؤثر التاريخي فيه ، وتتضح ملامح هذا المؤثر في الحقائق الآتية :
أولا : الملك عبد العزيز وافق لبريطانيا دون أن يكون له الحق في هذه الموافقة على إقامة دولة لليهود في فلسطين ، وبتخلٍ مطلق عن حقوق الفلسطينيين فيها ، وذلك في خطابه للسير بيرسي كوكس مندوب بريطانيا ، ونصه : " أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أقر وأعترف ألف مرة للسير بيرسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى لا مانع عندي من أن أعطي فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم ( تأملوا قوة التفريط والسخاء الإجرامي ! ) وكما تراه بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها حتى تصيح الساعة " ، وقالت ملكة بريطانيا تناغما مع أجواء تلك الموافقة إن بريطانيا تريد إقامة دولة لآل سعود في جزيرة العرب لتهيء هذه الدولة لإقامة دولة لليهود في فلسطين . وحافظ أبناء عبد العزيز بعده على الوفاء بما التزم به بمختلف كيفيات العلاقة مع إسرائيل ، وبقوة الارتباط بأميركا والغرب ، ومعاداة التوجه القومي العربي الذي قادته الناصرية ، والذي شخص إسرائيل كيانا مغتصبا ، وخطرا على كل العرب يجب إزالته .
ثانيا : لم تمكن قوة التيار القومي العربي السعودية من إظهار أي تعاون مع إسرائيل للعيان ، بل دفعتها للتظاهر بمعاداتها لها في الخطاب الرسمي والإعلامي والديني إلا أن ما كان يحدث في الخفاء خالف ما يحدث في المكشوف ، ومنه : استعانة السعودية بإسرائيل في حرب اليمن ضد الجمهوريين الثوريين وضد الجيش المصري ، وتمت الاستعانة بصور مختلفة تناسب سرية العلاقة ، وتعاونت الدولتان في التخلص من الوحدة المصرية السورية التي رأتا فيها خطرا مهددا لهما كلتيهما .
ثالثا : حثت السعودية أميركا لدفع إسرائيل لمهاجمة مصر وسوريا ، وعندما وقع الهجوم فعلا في 5 يونيو 1967 ساعدت فيه إسرائيل مثلما يذكر المرحوم ناصر السعيد في كتابه عن تاريخ آل سعود . وأكدت الوثيقة التي نشرها الرئيس اليمني السابق على عبد الله صالح منذ أيام دور السعودية في التشجيع على عدوان يونيو . والوثيقة خطاب من الملك فيصل أرسل في 1966 إلى ليندون جونسون رئيس أميركا يدعوه فيه لتشجيع إسرائيل على ذلك العدوان لاحتلال سيناء والضفة الغربية وغزة ، والتوقف ضروري عند إشارة الخطاب إلى الهدف من احتلال الضفة وغزة تحديدا ، وهو أن يتوقف من يسميهم الخطاب " الخارجين " عن التطلع إلى العودة ، والمقصود ب " الخارجين " الفلسطينيون الذين شردتهم إسرائيل في حرب 1948 ، أي أن السعودية عارضت دائما عمليا حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم الذي شردتهم منه إسرائيل ظلما وعدوانا ، وفي هذه المعارضة توافق تام مع " إعطاء " عبد العزيز فلسطين كاملة لليهود .
وأقدرت أحداث السنوات السبع المأساوية في عدة جمهوريات عربية السعودية على المجاهرة بقوة صلتها بإسرائيل ، فعملت الدولتان مع أميركا وبريطانيا وفرنسا على حرف وجهة الأحداث التي عبرت عن تطلعات شعبية مشروعة ، فانتهت قتلا وخرابا واسعين هائلين للدول التي وقعت فيها.
واتسعت تجليات العلاقة بين الدولتين ظهورا ، واتخذ الاتساع سمة التهور والاندفاع من جانب السعودية وإن صاحبته أحيانا صور من النفي الذي يؤكد العلاقة بدل أن ينفيها . وبدا أن السعودية ضيعت كل اتزان في تصرفاتها _حتى الاتزان المألوف في تصرف أصغر الدول _ تضييعا جعل بعض أهل الرأي يتساءلون عن الكيفية التي صارت تتخذ بها القرارات والمواقف في السعودية بعد ولاية الملك سلمان في 2015 وسيطرة ابنه محمد ولي العهد على دفة الأمور في البلاد . صارت لا ترى ضررا في وصف حماس وحركات المقاومة الفلسطينية الأخرى بالإرهاب ، وفعلت مع حزب الله ما هو أسوأ وأقبح ، وقدمت نفسها سياسة وإعلاما على أنها ما كانت يوما معادية لإسرائيل ، فبان وجهها الحقيقي الذي رسم الملك عبد العزيز ملامحه حين وافق على إعطاء اليهود المهاجرين الغرباء أرضا لا تخصه ولا تخصهم .
واضح أنني لم أفرق بين النظام والشعب الذي نحتفظ له بكل الحب والاحترام والثقة في عمق حسه العربي والإسلامي ، لكنه شعب مقموع مكبوت لا تأثير له في السياسة السعودية، وينطبق هذا على عامة المواطنين والنخبة المثقفة الذين نشهد اختلافهم مثلا عن الشعب في مصر والأردن والنخبة المثقفة فيهما . ففي هذين البلدين اللذين لهما علاقة رسمية بإسرائيل لا نجد أي حماس لتلك العلاقة بين الشعب والنخب المثقفة ، بل نجد رفضا شديدا لها ، وتفسير هذا وجود مساحة معقولة من حرية التعبير عن الرأي والموقف في البلدين لا نجد لها ما يماثلها في السعودية أو حتى ما يماثل جزءا منها . وخلق هذا الانعدام لحرية التعبير عن الرأي والموقف تطابقا غريبا بين النظام وأهل الرأي وعامة الشعب في السعودية تبدى في هذا الولع للتطبيع مع إسرائيل ، ومن طرائف هذا التطابق مخاطبة كاتب سعودي في جريدة " الجزيرة " لنتنياهو قائلا : " لك العتبى يا نتنياهو حتى ترضى " ! وقول تركي الحمد في تغريدة له : " لدي قضية بلدي في التنمية والحرية والانعتاق من الماضي " زاعما أن " اهتمام" بلاده بالقضية الفلسطينية أعاق هذه التنمية والحرية والانعتاق من الماضي ! هو لا يستطيع أن يقول سوى ما قال ، ولا أظنه مقتنعا به ؛ فهل يعقل أن تخفى عليه حقيقة موقف بلاده من القضية الفلسطينية كل هذا الخفاء ؟!
ويرى جمال خاشقجي أن السعودية تفعل الصحيح بطريقة خاطئة ، ولا نوافقه الرأي ؛ فلا صحة في السياسة السعودية في المنطقة منذ تأسيسها . إنها سياسة خاطئة ، وخطؤها جسيم يتمثل في عدائها لمصلحة العرب والمسلمين ، وانحيازها لأعدائهم ، ويلخص أحمد الريسوني جوهر هذه السياسة بالقول إن كل حروب السعودية كانت ضد العرب والمسلمين ، وولعها بإسرائيل الذي تتفجر الآن مظاهره يؤكد حقيقة وجوهر هذه السياسة ، وهو الولع الذي وضحنا جوانب من مؤثره التاريخي أما مؤثراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية فلها حديث آخر .


التعليقات : 0