الشيخ : نافذ عزام
لم يكن القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي بخصوص القدس مفاجئاً ، فهو جاء ضمن السياق الطبيعي لسياسته التي لا تستند إلى أية معاير قيمية أو أخلاقية ، بل وتخرج حشد من مواقف الرؤساء و الذين كانوا يدركون حساسية وتعقيدات هذا الصراع ، وحساسية القدس على وجه الخصوص ، وكانوا في كثير من الأحيان ونظراً لهذا التعقيد وتلك الحساسية يطرون الموافقة على القرارات الدولية التي تؤكد صراحة أن القدس أرض محتلة وأنه لا يجوز لقوة الاحتلال أن تغير في وضع وطبيعة وخارطة المدينة المقدسة وأن كل ما قام به الاحتلال باطل وغير قانوني .
كل ذلك لا قيمة لهو من الرئيس الأمريكي الذي جاء إلى السياسة من سمسرة العقارات وحياة المقاولات ولذلك لا أحد يستطيع التنبؤ بسلوكه حول أي قضية أو مشكلة ، وحسابات السماسرة تختلف دائما عن حسابات الناس ، فكيف إذا أضيف لحياة السمسرة والمقاولات تعصب وتطرف وعنصرية لا يستطيع إخفاءها وهذه العنصرية تصل به إلى الدرجة التي لا يستطيع أقرب حلفائه الأوروبيين تقبلها أو الدفاع عنها .
وحتى مع غياب الضوابط القيميه والأخلاقية ، وحتى مع افتقاره للخبرة السياسية وطريقة إدارة الدولة ، وحتى مع عنصريته و تطرفه .
حتى مع كل ذلك ما كان له أن يجرؤ على اتخاذ موقفه الأخير بخصوص القدس ، لولا حالة الضعف والتفكك التي يعيشها العالم العربي والإسلامي ولولا الاحتفاء الأسطوري الذي قابله به قادة الدول العربية والإسلامية ، ولولا إدراكه لغياب التضامن العربي والإسلامي مع فلسطين حتى لو تعلق الأمر برمزها المقدسي و مدينتها التي باركتها السماء ، وزارها الأنبياء ، وزينتها دماء العلماء والأئمة والصالحين والأحرار على مدار القرون .
من فاضل القول التأكيد على حقيقة لا شك فيها ، وهي أن التاريخ لا يمكن أن يتغير بقرار ملك أو رئيس أو غفير ، وأن الحق لا يضيع بالتقادم أو بمرور الوقت ، وأن القوة الغاشمة لا تستطيع محو آثار الحضارة التي استندت إلى قيم الحق والخير والسلام ، وأن مكانا أحاطته البركة الإلهية لا يمكن تحويله بجرة قلم ، إلى مركز للقمع والظلم والعنصرية ، كل هذه حقائق يجب أن يطمئن إليها شعبنا وأمتنا وكل الأحرار الذين يؤمنون بعدالة قضيتنا ويتشاركون معنا الألم والحسرة ولكن مع هذا الاطمئنان فإن التاريخ لا يتغير من تلقاء نفسه ، وإرادة الله الفاعلة تحتاج إلى من يعي قوانينها ومعاييرها ، وليس المطلوب من الأمة الدفاع عنه وحمايته بمجرد الدعاء والأمنيات الطيبة فقط .
المطلوب في مواجهة القرارات الصعبة ألا تفقد الأمة رباطة جأشها ، ولا يجوز أن تضع الملح فوق جرحها ، ولا يجوز لها الاستسلام للانفعال وغليان المشاعر ، فالأمر يحتاج إلى تغير في استراتيجيات الدول والحكومات العربية والإسلامية ، ويحتاج إلى تغير في طريقة التعامل مع شعوب الأمة وكافة تياراتها ومكوناتها التي يجب أن يكون لها دور رئيس في تشكيل السياسات والبرامج والرؤى لتعود الفعالية لتلك الشرائح من العلماء والنخب والمثقفين ، وعلى الصعيد الفلسطيني يجب أن نخرج من دائرة المناكفة والخلافات الهامشية والثانوية ، لنتمكن من الاتفاق على استراتيجية يشارك الجميع في بنائها ورسم ملامحها ، تعلي من قدر الشعب الفلسطيني الصابر والمظلوم ، وتعطى الأولوية لرفع المعاناة عنه ، والتمسك بحقوقه ، وتقدم المثل النموذج الذي يلهب الأمة حافزاً وقوة دفع ... وبهذا يمكن محاصرة آثار قرار الرئيس الأمريكي الذي يبدو أنه مقدمة لما يزعم إنها صفقة القرن لإنهاء الصراع في فلسطين وتأمين إسرائيل إلى الأبد .
إذن .. مواجهة هذه المرحلة الصعبة يجب أن تتم من خلال موقف فلسطيني قوي وموحد ، مدعوم بموقف عربي وإسلامي قوي وموحد ، وللوصول لذلك على الأمة الاعتصام بالصبر والثبات وعدم اليأس!


التعليقات : 0