مرايا

هل يضيع الحقُّ بكلمة؟....  عبد الله الشاعر

هل يضيع الحقُّ بكلمة؟....  عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

 عبد الله الشاعر

       القدس عروس عروبتكم، فلماذا أدخلتم كلَّ زناة الليلِ إلى حجرتها؟

 

      وجع السؤال المرّ في صراخ مظفر النوّاب يتجدّدُ على ناصية كلِّ مرحلةٍ عربيّةٍ جديدةٍ من الخذلان، والقدس تنظر نحو الأمّتيْن كأنّما خَبرت دموعَ العاجزين، فتُهَدْهِدُ الوجع الكبير في صدور الغاضبين، القابضين على جِمار الذلّ من جحيم المرحلة.

 

    زهرُ الجحيم في ربيعنا العربيّ أسمر... دمُ أحلامنا المحروق قد نبت ضريعاً في ربيع الذلّ، والقدسُ تلقي كلمة الأمّ الأبيّة في ضياع الأمّتين، وترتّلُ الإسراء آياتٍ ووعداً، ولا تخاف على المصير... القدسُ لا تغمض عينيها إذا تلقّت طعنةً في عروبتها، القدسُ تبقى شاخصة، ترعى انعكاس العزّ في صورتها على صفحة السماء، وتظلّ تلقي سحرها الأزليَّ في دروب العاشقين سلاماً وثباتا ..

 

     هل ضاعت القدس بكلمة؟ أم إننا نحن الذين تضيع منّا البوصلة في كلّ مرّة؟

هل تضطرب جهة الحقيقة، والقدسُ أصل الحقّ في هذه الفتن، والقدسُ تعرف أن سقوط بغدادَ الأبيّة كان المحطّة الأولى لينزع عنها الغاصبون ثوب القداسة، وأنّ قتل الواقفين في العواصم، وذبح المستضعفين في بلادِ العُربِ الجريحة، وجِزية المليارات، والأزمة المفتعلة بين الأعراب في الخليج كلّها كانت محطّاتٍ تفكّ أزرار معطف الإسراء عن أكتاف القدس الأبيّة، فهل ضاعت القدس منّا أم نحن الذين يضيع في كلّ مرحلة شيءٌ من كرامتنا؟

 

   القدسُ بوابةُ السماء فكيف يضيرها قول أهل الأرض فيها؟ القدسُ ترمق من مكانتها الشريفة اضطراب العاشقين لعزّها، ترى الدماء حين يسكبها الأحبّة كي تلين قيودها، وترى وجوه الغاضبين، والبائسين، والمقهورين، والمحزونين، وترى في جملة ما ترى، تراك أنت أيّها العربيّ حيثما كنت، ومهما تواريت خلف ألقابٍ ورتب، ومهما استترت منها خلف حرّاسٍ واستراتيجياتٍ، وكلماتٍ، ونظمٍ، ومهما حاولت خداعها بدمعٍ ليس كالدمع النقيّ، تراك أيها المتخاذل وتُسجّلك في سجلّ العابرين إلى المهانة، لا لتعاتبك، بل لتُقصيك يوم يصير وعدّ الله عُرساً، كي لا تُدنس ثوبها السماويّ الأخير .

 

***

 

اختراق الوعي

هل أحسنّا إدارة الصراع في معركة القدس الأخيرة؟

 

يؤرّقني هذا السؤال منذ أن أعلنت وسائل الإعلام عن نيّة الرئيس الأمريكيّ نقل سفارة بلاده إلى القدس، ولقد أرّقني السؤال أكثر بعد خطابه الأخير، وما تبع ذلك من غضب شعبيّ هو أقرب إلى ردة الفعل - التي سرعان ما تفتر وتتلاشى - منها إلى ردٍّ مدروسٍ وواعٍ ومؤثّر ، وكفيلٍ بتحقيق ما تتطلّع إليه هذه الجماهير والشعوب الغاضبة

 

يُتقن الأعداءُ استدراجنا إلى ساحات نزالٍ لم نُعدَّ لها جيداً وبذلك يضمنون خسارتنا لها، فيما هم ماضون في مخططاتهم واثقين، وهذا ما يحصل معنا في كثيرٍ من الصراعات التي افتعلوها، فيما كانت أعينهم على أبعد من المشهد الملحوظ، وأعمق من التفاصيل الظاهرة. ففي معركة القدس الحاليّة استدرجوا وعينا إلى منزلق خطير بحيث أصبح كثيرٌ منا يُردّدُ : القدس عاصمة فلسطين وليست عاصمة إسرائيل، بل ورفعه بعضنا شعاراً لغضبه على ترامب وجرائمه، ومع الوقت سيتعايش الغاضبون مع هذا الشعار حتى يستقرّ كفكرةٍ ثوريّة وعميقة في الوعي الجمعيّ، ومع الوقت يتحوّل صراعنا مع هذا الكيان من صراع وجود إلى صراعٍ على أيّ المدن المحتلّة يمكن للغاصب اعتبارها عاصمة له. وبما أننا ندخل أغلب معاركنا جرّاء استدراجنا إليها، فإن الغلبة لمن خطّط ودبّر، والهزيمة لمن استُدرج ولم يُحسن إدارة الصراع.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق