ع الوجع

أخــطــاء.... مـعـروف الــطــيــــب

أخــطــاء.... مـعـروف الــطــيــــب
أقلام وآراء

معروف الطيب

يبدو أن العرب مستمرون في المحاولة للسيطرة على المركز الأول في موسوعة الأرقام القياسيَّةِ لمن لا يأخذون العبرة من أخطائهم، بل لا يقومون بالتقييم لمدى تحقق الأهداف التي خططوا لها _ هذا إن خططوا أصلاً _ وكل سلوك يصدر عنهم يؤكد أنَّهُ سلوك عشوائيٌّ غير مدروس العواقب، ويرفرف خارج سرب العقل والمنطق بامتياز، فأول أبجديات العمل الاستراتيجي لتحديد العدو من الصديق يخبرنا أن أصدقاءنا ثلاثة هم: صديقي، وصديق صديقي، وعدو عدوِّي...

 

أما أعدائي فهم ثلاثة أيضاً: عدوِّي، وعدوِّ صديقي، وصديق عدوي. وبالتالي فإن المرء عند التصالحِ، أو عند اتخاذ قرار بالمواجهةِ يضع هذه المسلمات نصب عينيه ويتصرف بمقتضاها، ولكن الواقع يخبرنا عكس ذلك تماماً، وكأن العقليَّةَ الصحراويةَ تصرُّ على أن تظل جرداء كما هي الطبيعة فيها، ولو أخذنا النموذج السعوديِّ كمثالٍ حيٍّ وخصبٍ لهذا السلوك لوجدنا التالي: أرادت السعوديَّةُ ودول الخليج مواجهة النفوذ الإيراني من خلال تأليب العراق لمواجهتها فجاءت النتيجة أن العراق الآن أصبح في العباءة الإيرانيَّةِ، وأرادت تحجيم المقاومةِ في لبنان من خلال الحريري، وقوى الرابع عشر فسيطرت المقاومة على قلوب اللبنانيين جميعاً، وامتدَّت في الجغرافيا العربية أكثر.

 

ونفس المنطق عندما أرادت إسقاط النظام السوري وضخت المليارات لهذه الغاية، انفقت المليارات وحشدت عشراتِ آلاف المقاتلين من كل العالم، واشترت أضخم ماكينات الاعلام ولكن بقي النظام السوري قوياً راسخ الأقدام وذهب كل ما حشدوه ضده أدراج الرياح، ونفس القصَّةِ في اليمن الذي كان سعيداً، أرادوا الحاقه بالتبعيَّة لآل سعود بالحديدِ والنار، وكأنهم أخرجوا العفريت من المصبح، فلا هم أحرقوه ولا هم أعادوه للمصبح، وأصبحت الصواريخ تهدِّدُ الرياض بعد ألفِ يومٍ من القتل والتشريد والأمراض، وكأنَّ القدرُ يعاندهم في كلِّ حساباتهم وتنكفئ القدرُ على وجوه الطابخين وتحرق النارُ أصابع المذكين، ولا تبدو دولة الكيانِ أوفرُ حظَّاً في التوفيق والنجاح، ولكن لسبب آخر تماماً، حيثُ هم أعدوا العدَّةَ جيداً لإيجاد وكلاء يقومون بالدور القذر عنهم، فالمال عربي، والدم المسال عربي ومسلم، والغطاء أمريكي ودعم أوروبي، ولكن الحسابات أفرقت في صمود المحور الآخر، الذي حوَّل التهديد إلى فرصة، وبدل أن تشغل محور المقاومة في حروبٍ هامشيَّةٍ، طائفيَّةٍ أو مذهبيَّةٍ أو إثنيَّةٍ ومن ثمَّ إبعاده عن محبط المواجهة القريبة مع دولةِ الكيان، تم حسمُ الوضعِ تماماً لصالحِ المحور، واقتربَ الجميع من حدودِ الكيانِ مما ينذر بحربٍ تقرع الأبواب، وظهر لاعبون لم يكن حضورهم في الحسبان، فإذا كان هناك خطر لبناني وفلسطيني على دولة الكيان أصبح هناك بالفعل خطر من كل الجنسيَّات على حدودهِ. نعود للسعودي الذي كان صهيونياً أكثر من الصهاينة أنفسهم والذين أفصحوا عن ذلك صراحة، حينما أعلن بعض مسؤوليهم أنَّ تصريحات السعودية في عدائها للمحور، متقدمة على الخطاب الصهيوني نفسهُ، بل لا يستطيعُ مسؤول صهيوني أن يصرِّحَ بما يتجرَّأ عليه ابن سلمان وابن الجبير.

 

يبقى أنْ نقولَ أن من فضل الله أن أعداءنا ومن دار في فلكهم هم حمقى بامتياز، والدليل ما قام به ترامب من إعلانٍ بأن القدس عاصمة دولة الكيان.

 

هذا الإعلان بدل أن يحشر الفلسطينيين في الزاوية أثمرَ لدرجةِ أنَّه يكادُ يكون الخدمة الأجلَّ التي قدمها الأمريكان للقضية الفلسطينيَّةِ _ دون أن يقصدوا قطعاً _ لأن هذ القرار عزل أمريكا كشريك في التسوية، وجعلها تقف وحدها في مقابل العالم في الأمم المتحدة، وهذا القرار أيضاً أعاد تحديد البوصلة باتجاه القدس كقطب الصراع الأوحد وشطب سنوات التفسخ العربي التي خطفت من القدس الضوء، وهذا القرار ضاعف أعداد الكيان من عرب وعجم، مسلمين ومسيحيين، فسبحان الذي يغيِرُ ولا يتغيَّر!.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق