مرايا

فَصْلُ الخِطاب... عبد الله الشاعر

فَصْلُ الخِطاب... عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

في المواقف العصيبة لا بدّ من كلمةٍ فصل؛ فالكلمة رسالةٌ موتٍ أو حياة، شموخٍ أو انهيار، تحدٍّ أو هزيمة، وما أحوجنا إلى لسانٍ يتحدّث بنبض الشارع، ولا يقبل بإملاءات العاجزين وإن أوتوا القوّة والجبروت.

 

الفلسطينيُّ المفجوع بتآمر السياسيّين على قدسه، مأخوذٌ كما كان دائما بالفداء والخذلان، يجذبه نداءُ السماء حيّ على الجهاد، فيُلبّي على لهفة لتجلّي الهداية الإلهية إلى السبل القويمة في وعيه السياسيّ الجمعيّ، ومتوجّسٌ منذ أيام الفزعة العربيّة المنقوصة الأوامر من الخيانة، تتجاذبه الدماء الزكيّة، والروح المتوقّدة في الشارع، وبرودُ السياسة، وبطء وقوفها، وكأنّ ساحات الكرامة السياسيّة كلها محجوزةٌ للتمهّل والترقّب والانتظار، وليس ثمة موقفٌ واحد ٌخالٍ، يتّسع لوقفة إباءٍ سياسيٍّ يليق بأسطورة الفداء التي يكتبها الشارع روحاً ودماً، وألماً واختناقا، ليعلو في مدى صدى الأسئلة عن الجدوى، والأسئلة عن السبيل، وهل يمكن أن يوصلنا سبيل المقاومة الشعبيّة السلميّة الحاليّ إلى ما نتطلّع إليه من جدوى؟ وهل يقاس الفداء بما نفديه؟ أم بما نفتدي به؟ وهل كان الذبح الكبير يعدل إسماعيل؟ فهل هو الفداء والجدوى؟ أم الفداء مقابل راحة الضمير؟ هل يخرج الناس غضباً ويقيناً؟ أم تكلّفاً ومعذرة؟

 

لعل من العار أن يسأل الفلسطينيّ بعد قرن من النضال الوطنيّ عن قلبه حين يخرج ثائرا، فالفداء عقيدةُ الشهداء، وترياقُ الجرحى، ومدد الصبر للأسرى، وحبل التبصّر المتين لكلّ القابضين على جمر الوطن، ولكنّه درب ابتغاء الحكمة في مساءلة تجّار الدم عن الثمن، وهل ينتظر حكيمٌ ممّن باع القضية على أقساطٍ بخسة، عبر ربع قرن عن بيعة الدم الأخيرة؟

 

إن الفلسطينيّ إذ يعطي دمه، فإنّه يبايع الله تصديقاً بوعد الآخرة، لا يسأل السياسيّ على دمه أجراً، ولكنّه يغامر، ويسابق بالأفعال إلى أبواب العدوّ، ليقضَّ مضجعه، وليجبره على دفع ثمن الاعتداء، إن عزّ العتاد والعدّة، فليكن نبذاً ورفضاً، وضجيجاً، واحتجاجاً، وتخويفاً وقلقاً، وهلعاً وقلقلةً.

 

سيظل الفلسطينيُّ يحمل حقّه فوق وجعه، ويُشهرُ غضبه في وجه محتلّه، ويسطّرُ بالفداء عهد العودة والنصر، ويتلو فوق منابر القدس آيات الوعد، والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق