المطلوب تحويل انتصارنا المعنوي والقانوني في معركة القدس إلى انتصار واقعي... حماد صبح

المطلوب تحويل انتصارنا المعنوي والقانوني في معركة القدس إلى انتصار واقعي... حماد صبح
أقلام وآراء

 بقلم : حماد صبح

فعلا " الحق يعلو ولا يعلى عليه " ، اختبرنا صحة هذه المقولة في الغضب العالمي على قرار ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ، والتهيئة لنقر سفارة بلاده إليها من تل أبيب . في أسبوع واحد ، بعد ذلك القرار الأرعن المشئوم ، وإن اعترفنا بأن أميركا وإسرائيل درستا بعناية وتدقيق ملائمة توقيت إصداره ؛ أقرت الأمم المتحدة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بأغلبية كبيرة هي 176 صوتا ، وأقر مجلس الأمن بكامل أعضائه الدائمين وغير الدائمين ال15 باستثناء أميركا لا شرعية ولا قانونية قرار ترامب بشأن القدس ، وفعلت الجمعية العامة نفس الشيء بأغلبية 128 صوتا .

 

وما زالت مظاهر الغضب ومظاهراته تتفجر يوميا في كل مكان في العالم على ذلك القرار بما في ذلك بعض المدن الأميركية والأوروبية ، وهاجم مسئولون أميركيون سابقون تهديد ترامب بقطع المعونات عن الدول التي عارضت قراره، فوصف جون برينان الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية ذلك التهديد بأنه " أكثر من شائن ، ويظهر أن دونالد ترامب يتوقع ولاء أعمى وخنوعا من الجميع ، وهذه مواصفات توجد عادة في القادة النرجسيين والمستبدين الانتقاميين".

 

وقرر الحزب الوطني الأفريقي الحاكم في جنوب أفريقية توجيه حكومة البلاد إلى خفض تمثيلها الدبلوماسي في إسرائيل إلى مستوى مكتب اتصال . وجنوب أفريقيا في هذا الموقف العظيم تفوقت على كل الدول العربية ، وهي من أنبل الدول التي أفادت من تجربة شعبها الطويلة القاسية الدامية مع الاضطهاد العنصري الأبيض الذي دام 300 عام ، ولم ينته ظلامه ودمويته إلا في 1994.

 

وهي فوق نبل موقفها الدال على نبل إفادتها من تجربتها ؛ لا تنسى لإسرائيل أنها كانت حليفا قويا للنظام العنصري الأبيض ، وتعاونت معه في تمكينه لصنع قنبلة ذرية . هذا موقف جنوب أفريقيا من قرار ترامب القبيح المشين، بينما استبق وزير خارجية البحرين خالد آل خليفة التصويت الأممي على قرار يرفض اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل بالقول في تغريدة ضالة باطلة :" من غير المفيد اختيار معركة  مع أميركا حول قضايا جانبية " قاصدا قضية القدس !

 

الثورة العالمية انتصارا للحق العربي والإسلامي في القدس ، والثورة الشعبية في العالم العربي ، والقيادية في تركيا التي أججها أردوغان بكل قوة وصدق ؛ دفعت بعض الإسرائيليين إلى الشعور بأن ما فعله ترامب بان هدية مسمومة كشفت عمق كره العالم لإسرائيل، والخطير في ما كشفته حقيقة استحالة قبول الشعب العربي والإسلامي التطبيع معها ، وأن أي منجز تضعه في يدها في هذه الوجهة سيظل منحبسا في دائرة الحكام الذين انكشفوا تماما لشعوبهم . وفي السعودية التي أبدت في الشهور الأخيرة هوسا حادا لعلنية التطبيع مع إسرائيل بدا أنه أصاب القاعدة الشعبية ؛ بدأت تطل بعض الأصوات المعارضة على مستوى الشعب والكتاب ، وبدا كأن استفاقة حدثت من نشوة وهم التطبيع ، ومن أحسن ما كتب في هذه الاستفاقة وأقواه ما كتبه جاسر الحربش في مقال بعنوان " وللمتصهينين تذكرة خروج دون عودة " في " الجزيرة السعودية ، هاجم فيه المطبعين مع إسرائيل مبينا مخاطر هذا التطبيع . ويحسب للشعب المصري جمهورا ومثقفين ومؤسسة دينية مجسدة بالأزهر أنه سارع ، كالعهد به في قضايا الأمة ، إلى التقاط شعلة الغضب انتصارا للقدس ورفعها عاليا . أما الشعب الفلسطيني، وأهل القدس تخصيصا ، أكثر العرب والمسلمين والدنيا كلها اتصالا بالقدس عاطفة وواقعا، فما زال يواصل ثورته ، ويقذف بالجرحى والشهداء في نار معركة الدفاع عن المدينة المقدسة بأقصاها ومسرى رسول الله _ صلى الله عليه وسلم إليها وعروجه منها إلى السماء ، فيلهم كل محبيها والمدافعين عنها قوة جديدة ، ويلهب حميتهم لتحدي ومغالبة تهور أميركا وعدوانية إسرائيل . وسطعت الصبية عهد التميمي التي صفعت الضابط الإسرائيلي ؛ نجمة في سماء حب القدس وافتدائها .

 

وتظل كل الانتصارات العربية الإسلامية في قضية القدس معنوية قانونية تؤكد علو الحق الأصيل على الباطل المصطنع ، وستظل بهذه الصفة حتى نحولها إلى واقع عملي ينتزع القدس والأرض الفلسطينية من مخالب الاستيطان الإسرائيلي المفترس ، والمعزز بالتأييد الأميركي المتنوع والمطلق الذي لا يصح من دولة في وزن أميركا التي هي فعلا عملاق في القوة المادية ، وقزم في القوة الأخلاقية ، وهو ما ينذر بسوء مآلها الذي نرى الآن بعض نذره القوية  في تراجع دورها  العالمي ، وصعود الدور الروسي والصيني في قوة وثقة ، ومحاولة الأوربيين التميز عن موقفها الطائش في الفائق الرداءة والتوحش في  الساحة الدولية .

 

                                    ***

 لم يحب الصهاينة يوما القدس . تيودور هرتزل أبو الصهيونية حلم بعاصمة شمالي فلسطين على سفوح جبال الكرمل ، تطل على البحر المتوسط ، ولم يضمر إلا الاحتقار والازدراء للحائط الغربي ( حائط البراق ) ، وكتب مرة : " يا لها من  خرافة ويا له من تعصب من الطرفين ! " . أسبوعية " دير شبيجل " الألمانية .

التعليقات : 0

إضافة تعليق