لا بديل عن قواعد جديدة للسياسة الدولية... نافذ عزام

لا بديل عن قواعد جديدة للسياسة الدولية... نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ : نافذ عزام

كان القرار الأمريكي حول القدس تطورا خطيرا في هذا الصراع الذي يعيشه الفلسطينيون, لكنه حمل معه أيضا سوءا كبيرا لأمريكا ودورها الدولي, ووضعها في عزلة ربما لم تعشها من قبل, واظهر بشكل صارخ استهتارها بالقانون الدولي الذي كانت هي مشاركة في وضعه, واستخدامه طوال الوقت كسيف مسلط على رقاب البشر, كانت تتستر به لتحقيق سياساتها, وفرض سيطرتها, لكنها اليوم تخرقه دون مواربة, ولا تجد حتى ما تبرر به خرقها هذا, وهو موقف سيؤسس لحقبة جديدة تماما فيما يتعلق بالأمم المتحدة ودورها, وأيضا فيما عرف في السبعين عاما الماضية بالشرعية الدولية, التي باسمها شنت حروب ودمرت دول, وفرض الإذلال على شعوب وأمم عديدة.

 

لم تكن أمريكا طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية أضعف مما هي عليه الآن, حيث افتقدت أهم الذرائع التي كانت تستخدمها لفرض نفوذها, ومحاصرة الدول التي تعارض سياساتها, كان القانون الدولي, والشرعية الدولية وحماية المواثيق الدولية, هي القواعد التي بنت أمريكا عليه نفوذها وهيمنتها, وعن طريق تلك الشعارات تدخلت في أماكن عديدة لتغيير أنظمة وحكومات, ومعاقبة دول وشعوب, لم تكن السياسة الأمريكية نزيهة أبدا, وافتقدت للمقومات الأخلاقية والإنسانية لكنها كانت تتغطى بما يسمى الشرعية الدولية, وتزعم أنها تفرض المقررات الدولية, وأنها تفعل كل ما تفعله تعزيزا للقانون الدولي وما يصدر عن الأمم المتحدة من قرارات, وكانت تستطيع تمرير ذلك بما تملكه من وسائل وأدوات سياسية وإعلامية واقتصادية وعسكرية,  وكانت تدعي دائما ان استخدامها للقوة والسطوة فقط لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة, التي لا تحترمها الدول المعنية وتتلكأ في الالتزام بها, ورغم ان «إسرائيل» ظلت مستثناة من أي التزام, وأفلتت من أي عقاب مع أنها أكثر من رفض الانصياع لمقررات الأمم المتحدة, وأكثر من خرق القانون الدولي وداسه بالأقدام, رغم هذه الحالة الغريبة الفجة تمسكت أمريكا بشجاعة القانون الدولي, وحماية القرارات الدولية, لجعلها الغطاء الذي يضفي شرعية على تحركاتها وسياساتها وكل خروقاتها وانتهاكاتها للقانون الدولي نفسه,  لكن اليوم وبعد قرار دونالد ترامب, حول القدس  انكشف كل شيء, وسقط القناع تماما, وبدا واضحا ان أمريكا تدوس القانون الدولي الذي صنعته هي, وتستهزئ بقرارات الأمم المتحدة بخصوص القدس والتي سبق ودافعت عنها طوال السنوات الماضية .

 

في مجلس الأمن كانت أربعة عشر دولة في جانب وأمريكا وحدها في جانب, وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة ورغم التهديد الأمريكي العلني لدول العالم بالعقاب والحرمان من المساعدات, سبع دول صغيرة وغير معروفة هي فقط من كان في صف أمريكا وإسرائيل, فيما كل حكومات العالم في الصف الآخر, هذا الوضع الجديد يجب ان يدفع باتجاه منظومة دولية جديدة, لا يجوز ان يكون لأمريكا فيها دور أممي, ولا يجوز ان تحظى فيها بأي امتياز, وأن الدول العربية والإسلامية ومنظومة عدم الانحياز وروسيا والصين ودول أمريكا اللاتينية والجنوبية وحتى بعض دول أوروبا مطالبة الآن بالتحرك العاجل لإنقاذ البشرية من أمريكا وجشعها وغطرستها وتخبطها وتطرفها, ويمكن ان يبنى فعلا كون جديد بمعايير أكثر عدلا وأخلاقية, ويجب ان ترتفع حكومات العالم العربي والإسلامي لمستوى خطورة ما يجري, والمسألة لا تتعلق بإنقاذ القدس وفلسطين, بل إنقاذ الإنسانية والبشرية من تغول أمريكا ونهمها للسيطرة والعنف وإذلال الآخرين.      

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق