قرار ترامب وكشف المستور... تيسير الغوطي

قرار ترامب وكشف المستور...  تيسير الغوطي
أقلام وآراء

 بقلم : تيسير الغوطي

 

لا شك أن قرار ترامب الخاص بالقدس واعترافه بها كعاصمة لدولة الكيان الصهيوني وعزمه على نقل سفارة بلاده إليها كترسيخ عملي لهذا الاعتراف النظري قد أحدث حراكا في المنطقة لم يكن في توقعات الكثيرين ممن كانوا وراء هذا القرار أو أعطوه مباركتهم وموافقتهم ولو من خلف الستار.

 

قرار ترامب المقيت بشأن القدس رغم سوئه وسلبياته الكثيرة والتي لا تحصى وفي مقدمتها إعطاء الشرعية لاغتصاب الأرض والمقدسات الإسلامية من قبل الكيان الصهيوني، ضاربا بعرض الحائط كل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية ومرسخا قانون وشريعة الغاب التي تحتكم إلى القوة وليس إلى الحق والعدل ومنها إعادة إنتاج بلفور جديد وتقسيم المنطقة العربية وتوزيعها كغنائم لصالح القوى الاستعمارية الظالمة في ظل غياب أهلها عن الفاعلية الحقيقية وانشغالهم بمقاتلة بعضهم البعض، واستيلاد أعداء وهميين تصرف تجاههم الجهود والمقدرات بعيدا عن العدو الحقيقي والمركزي للآمة العربية والإسلامية والمتمثل في الكيان الصهيوني , ويكون ذلك مبررا لادامة استغلال موارد وثروات ومقدرات الأمة لصالح القوى الاستعمارية الظالمة بحجة ودعوى دعم الأنظمة الحاكمة وحمايتها ضد هؤلاء الأعداء الوهميين، وقد كان ترامب صريحا في ذلك لدرجة كشفت مدى الذلة والمهانة التي تتعامل بها إدارته الصهيوامريكية مع الزعماء والحكام العرب، وفي نفس الوقت مدى الوهن المسيطر على عقول وقلوب هؤلاء الحكام والزعماء.

 

وهناك الكثير من السلبيات التي يمكن قراءتها في قرار ترامب لنحكم عليه بالسلبية والعنصرية، ورغم كل ذلك فإن هذا القرار السيء  يحمل بين ثناياه وما ترتب عليه بعض الايجابيات ومنها:-

 

- إعادة توجيه البوصلة والاهتمام نحو فلسطين والقدس باعتبارها القضية المركزية للأمة الإسلامية وشعوبها، بعدما كادت تضيع بين قضايا جديدة من صنع الأعداء وفي مقدمتهم الكيانى الصهيوني والإدارة الصهيوأمريكية لإلهاء الأنظمة العربية وشعوب المنطقة بحيث تبتعد عن الكيان الصهيوني حيث تم ابتداع وصناعة الإرهاب بكافة صوره وإشكاله ، وتهويل الخوف من إيران كأعداء بدلا من الكيان الصهيوني .

 

- تأكيد وترسيخ أهمية القدس ليس للفلسطينيين فقط بل لكل العرب والمسلمين وحتى المسيحيين خاصة مسيحيي فلسطين.

 

- تحقيق مزيد من التضامن والترابط بين أبناء الشعب الفلسطيني بعدما كاد يضيع هذا الترابط على أعتاب الانقسام البغيض والنزاعات الجانبية بين مكونات وأطياف الشعب الفلسطيني المختلفة.

 

- تعرية خيار السلام والمفاوضات مع هذا الكيان الغاصب والمجرم في نفس الوقت . وكيف أن هذا الخيار لن يقود الفلسطينيين إلا لمزيد من التنازلات والاستسلام للرغبة الصهيونية بعدما فشل في تحقيق أدنى المطالب الفلسطينية في الدولة والسيادة والعودة.. إلخ، رغم عمره الطويل والذي تجاوز ربع القرن من السنين، ومن الوجهة المقابلة يعطي المزيد من الدفع والمصداقية لخيار الجهاد والمقاومة باعتباره الخيار الأمثل بل والأوحد للتعامل مع الكيان الصهيوني الذي لا يفهم إلا لغة القوة.

 

- تعطيل مسار التسوية عبر تعطيل صفقة القرن التي كانت الإدارة الصهيوأمريكية بواشنطن تعدها لإنهاء القضية الفلسطينية بموافقة ومباركة بعض الأنظمة العربية ودون تحقيق أي شيء للفلسطينيين خاصة في موضوع القدس واللاجئين إذ كانت تهدف الصفقة إلى شطبهما تماما.

 

- تعرية النظام العربي الرسمي وقياداته من المرتزقة والمأجورين الذين باعوا دينهم وضمائرهم من اجل كرسي الحكم وشهوات المال والسلطان، حيث ثبت كذبهم ونفاقهم في كل تصريحاتهم ومقولاتهم الإعلامية عن القدس وفلسطين والقضية الفلسطينية، وانكشف المستور من مواقفهم المخزية تجاه هذه القضايا المصيرية للأمة وشعوبها مثل القبول والموافقة على الرؤية الصهيوأمريكية لحل القضية الفلسطينية تبعا للرغبة الصهيونية اليمينية المتطرفة ، والضغط على الطرف الفلسطيني باستخدام أسلوب العصا والجزرة للقبول بتلك الرؤية وعدم الاعتراض عليها وعدم السماح لشعوبهم بالتعبير عن مواقفها الحقيقية تجاه فلسطين والقدس والقضية الفلسطينية، إن هذه المواقف لتلك الأنظمة العربية الرسمية تؤكد أن هذه ألأنظمة هي الوجه الآخر للكيان الصهيوني فيما يخص فلسطين والأمة وقضيتها المركزية ويؤكد في نفس الوقت صدق المقولات التي نادى بها وأطلقها كثير من المفكرين وفي مقدمتهم الدكتور فتحي الشقاقي بأن الأنظمة العربية الرسمية والكيان الصهيوني هما وجهان لعملة واحدة تتمثل في الهجمة الغربية الظالمة على الأمة الإسلامية وشعوبها ومقدراتها .

 

- تعرية علماء السلاطين ومشايخ السلطة وجوقتهم من الأفواه الناعقة، عندما انحازوا بكل جلافة وصفاقة إلى مواقف حكام الخيانة الظالمة تجاه القدس وفلسطين والجهاد والمقاومة، صفاقة تصل إلى وصف رأس الشيطان والظلم في العالم ترامب بأنه قطب السلام والاستقرار في العالم، وجلافة تصل إلى حد تجاهل القدس والمقدسات والظلم والاغتصاب بحقها لدرجة الاهتمام في خطبهم بتعاقب الفصول الاربعة فيما المنطقة (بل العالم كله) تشتعل غضبا ضد ترامب بشأن القدس وإسلاميتها .

 

- إن ما ترتب على قرار ترامب من مظاهر يعطينا الثقة بأن هذه الأمة حية وقادرة على النهوض من كبوتها اعتمادا على شعوبها وعلمائها المخلصين بعيدا عن  جوقة علماء السلاطين وأنظمتهم الرسمية باعتبارهم الوجه الآخر للكيان الصهيوني المجرم.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق