بقلم : حماد صبح
فجرت موافقة السودان على السماح لتركيا بإقامة قاعدة في ميناء سواكن على البحر الأحمر غضبا عارما واستياء واسعا في مصر والإمارات ، وتراجعت السعودية بسرعة عما أبداه إعلامها المحكوم بتوجهات الدولة من استياء من زيارة أردوغان حتى قبل الإعلان في ختامها عن اتفاق القاعدة ، ومالت إلى التهادن مع تركيا تهادنا ربما فرضه عليها إيقانها أنه لا فائدة من مناوأة التغلغل التركي المندفع في الشرق الأوسط وأفريقيا بقوة لا سبيل لوقفها . التوجه التركي إلى المنطقتين بدأ بعد تولي حزب العدالة والتنمية في 2002 السلطة في تركيا ؛ متأثرا بعاملين ، أولهما يأس تركيا من قبولها عضوا في الاتحاد الأوروبي ، والثاني الصبغة الإسلامية لحزب العدالة والتنمية التي جسدتها شخصية أردوغان بقوة وحدة .
وجاءت الأحداث العربية التي سميت "ربيعا " ، فانفتح الباب واسعا لتأثير تركيا في البلاد العربية ، فتدخلت في سوريا بقواتها مباشرة ، وتأييدا لبعض قوى المعارضة المسلحة مثل أحرار الشام ، وناصرت بقوة وأمل فوز إخوان مصر بالرئاسة في انتخابات 2ا20 ، وزار أردوغان مصر ، واستقبله شبابها في فرح وحماس ، ونعتوه بأردوغان العربي .
وأظهرت تركيا تعاطفا كبيرا مع غزة في حصارها ، وفي الحروب الثلاث التي هاجمتها فيها إسرائيل . ومثلت محاولة السفينة التركية مافي مرمرة كسر الحصار عن غزة في مايو 2010 ذروة عالية في التعاطف مع غزة ، وأكد الرد التركي العنيف على اقتحام القوات الإسرائيلية لتلك السفينة قوة ذلك التعاطف الذي شعر الناس بأنه صادق ، وإن لم ينجُ صدقه من ارتياب لدى بعضهم . وشخصيا رأيت دائما أن موقف تركيا السيء في سوريا مفسد لذلك الصدق ، وأنه خطأ كبير من أردوغان . وخلق النزاع السعودي القطري سانحة كبرى لتركيا ، فبادرت لإرسال قوات إلى قطر فور استعانتها بها ، وطالعنا منذ أيام أن تلك القوات أفشلت محاولة انقلاب على الحكم القطري .
وتأتي قاعدة سواكن أحدث مظاهر التغلغل التركي في العالم العربي وأفريقيا ، ومؤكد أنها لن تكون المظهر الأخير . يتهم أعداء تركيا تغلغلها في الشرق الأوسط وأفريقيا بأنه عثماني المضمون ، أي قومي ، وأن صبغته الإسلامية تسترية . ونرى أنه عثماني قومي فعلا إلا أنه صادق في إسلاميته ، ولا موجب للتناقض بين قوميته العثمانية وإسلاميته . الإسلام هو الذي وهب الأتراك القدرة على بناء امبراطورية دامت 400 عام ، وهم الآن يدركون هذا بقوة ، ويدركون إلى جانبه خطأهم التاريخي في الابتعاد عن العالم الإسلامي ، والتقرب من الغرب العلماني طوال 80 عاما ، أي قبل مجيء حزب العدالة والتنمية .
في العصر الثاني للدولة العباسية ، جلب الخليفة المعتصم آلافا من الرقيق التركي من بلاد ما وراء النهر ، من سمرقند وفرغانة وغيرهما ليوازن بهم نفوذ الفرس الواسع في الدولة والمجتمع ، ولما كان ذلك الرقيق من البداة الجفاة ، وإن كانوا محاربين شجعانا يتقنون فنون القتال ؛ ضاق بهم الناس في بغداد ، فبنى المعتصم مدينة سامراء ونقلهم إليها ، وما لبث أن ندم على جلبهم لطغيانهم وسوء سلوكهم وتطاولهم على رموز الدولة حتى الخليفة نفسه . أتراك اليوم متحضرون متقدمون في كل جوانب الحياة ، واقتصاد بلادهم يحتل المرتبة السابعة عشرة عالميا في قوة إنتاجه وحيويته ، والمصنوعات التركية ذات جودة عالمية ، وجامعات تركيا تستقطب الطلاب من العالم العربي والإسلامي ، ويجد فيها طلاب غزة فرصا كثيرة لتعليمهم العالي دون أي عوائق أو تعقيدات أومضايقات ، وسهلت الخارجية التركية التحاقهم بتلك الجامعات بالفيزا الإلكترونية .
هل نرحب بهيمنة قوة ولو إسلامية على العالم العربي ؟! كلا ! نرحب بعلاقة ندية تحفظ لكل طرف هويته القومية وسيادته الوطنية على مثال ما هو قائم في أوروبا ، إنما الدول العربية المتناحرة والمعادية حتى لشعوبها هي التي تفتح الباب لغير العرب للتغلغل والهيمنة . قطر أجبرت على الاستعانة بتركيا بعد انفجار العداء السعودي الأهوج لها في يونيو الماضي ، والسودان في نزاع متوال مع مصر في شأن حلايب وشلاتين ، والاتهامات لا تنقطع بين الدولتين بإساءة كل منهما للأخرى ، وغزة تنسب إلى مصر 90 % من مشكلات حصارها .
ودائما الضعيف يتقهقر ويخضع ، والقوي يتقدم ويهيمن في كل مستويات الحياة ، ويحق للقوي، فهذه طبيعة الأشياء والمخلوقات ، أن يفرض رؤيته وفق مصلحته ، وما أصدق الشاعر العربي : "لقد صح أن الضعف ذل لأهله * وأن على الأرض القوي مسيطر " ، وكلمة " تركي " تعني في كثير من اللغات الأوروبية " الرجل القوي " ، وأكبر المصائب العربية صنعت بأيد عربية أو بالتآمر مع قوى أجنبية ، والله _ سبحانه _ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم خيرا أو شرا .


التعليقات : 0