عبد الله الشاعر
تدور بنا الأيام فتطوي تحتها بساط العمر، لتنذرنا، نحن الذين نطلق في السماء نارنا ابتهاجاً بمرور الوقت، إننا لا نفعل شيئا في الحقيقة غير ترك أمانينا تذوي في عتمة الكون، لتسقط في أطرافه دون ضجيج. فهل كانت البدايات حقيقة تستحق الاحتفاء؟ أم إننا نداري بالفرح خزينا من خطيئتنا الأولى التي أردتنا من دار الخلد إلى دار الفناء؟
هنا حيث تدور الأرض فينا وتقلّبنا على لظى المحن كيف تشاء، دون أن تضرب لنا موعدا نهائيّاً مع الفرح، هنا في موطن المحن، حيث تمتزج البركة بالدم، والشرف بالتضحية، وتختلط مواسم الحزن بمواسم البهجة، هل يمكننا أن نحتفي بمرور الوقت، ونحن لا نزداد مع الأيام إلا برداً؟ تُعرّينا الأيام من أحلامنا، نحن المنتظرون من سبعين عاماً أن نلتقط حبّة برتقال أخرى من يافا، التائهون من سبعين عاماً في كلّ البلاد، الملتحفون الأماني، المتوسّدون الرجاء، نحن الذين حوّلتنا خيانة الإخوة وقسوة الأعداء إلى بضاعة، وجعلت مآسينا صورا للصفحات الأولى، وافتتاحيّاتٍ حماسيّة لنشرات الأخبار، قبل أن تلفظنا أخيرا إلى الأرشيف، كقضيّة استنفذت بريقها، هل يمكننا أن ننسلخ من أوجاعنا الكبرى، لندّعي كما الآخرين أنّ لنا أمنيات للعام القادم؟
هل تؤرّخ بداية العام للأمل أم للخشية؟ وقد بلغت أحزاننا من الكِبَرِ عِتيّاَ، ولم يزدها الزمن إلا فتكاً بقلوبنا، فهل يمكن للفلسطينيّ أن يتجرد من وجعه، وهو الذي لا تمنحه الأحلام ناصيتها، بل يُطلُّ عليها خِلسةً من ثُقب الباب وهي تروحُ وتجئُ تارةً في ملفّات الأمم المتّحدة، ومرّةً بين فقرات بيان الجامعة العربيّة، ومرّة تسقط كرقم هزيلٍ في ذيل تقرير ماليٍّ لمنظّمات إغاثة اللاجئين، ومرّةً تسحقها المطرقة بيد مدير الجلسة في مجلس الأمن؟
أيّتها الأحلام الأبيّة التي تنوء بها السياسيّة، ويحملها دمُ الشهيد إذا ارتقى إلى العلياء لينشرها في سماء الكون آمالاً بحياةٍ كالحياة، كوني لنا سماءً لنكون لك أرضاً، كوني لنا المخرز فنكُنْ لك كفّاً، كوني لنا شمساً نكُنْ لك النهار، فقد أرهقتنا دورة الأيام فوق جراحنا عاماً في إثر عام، وما لنا من سُلّمٍّ نعتليه إلى الأفق البعيد سوى الشهادة والفداء.


التعليقات : 0