هل هناك بوادر لانتفاضة ثالثة في الأفق؟!... ياسمين مسودة

هل هناك بوادر لانتفاضة ثالثة في الأفق؟!... ياسمين مسودة
أقلام وآراء

ياسمين مسودة

يجد المراقب للمناخ السياسي العام أن الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة على وشك الانفجار، بل يذهب البعض إلى اعتبارها بوادر تلوح بانتفاضة فلسطينية جديدة، انتفاضة تختلف بملامحها عن سابقتيها، ففي الوقت الذي اتسمت به الانتفاضة الأولى بالتنظيم الحزبي والمجتمعي، وبأنها ثورة شعبية، إذ أدت  عدة عوامل لجعل الانتفاضة الأولى ثورة شعبية بكل ما في الكلمة من معنى ، فقد حطمت جهاز الاحتلال الذي لم ينجح حتى الآن بالخروج من صدمته، ولا يزال يخشى أن يأخذ على نفسه مهمة إدارة «المناطق» الضفة الغربية، وكانت هذه انتفاضة الشارع / العمال، ربات البيوت والشبيبة؛ كما أنبتت من داخلها قيادة محلية ذات طابع شعبي، مختلف عن الطبيعة المعروفة للقيادة التاريخية لمنظمة م.ت.ف، وبدأت عهدًا من عدم الهدوء لم ينته حتى اليوم، بينما ركزت الانتفاضة الثانية عام 2000 على العمل المسلح والاستشهادي وافتقدت للقيادة الموحدة وعلى الرغم من ذلك نجحت في التأثير على الاقتصاد الإسرائيلي، والأمن الشخصي للإسرائيليين.

 

كان عنصر نجاح خطة شارون للانسحاب عام 2005م هو الخروج من مناطق الكثافة السكانية؛ أي قطاع غزة ومناطق الكثافة السكانية في الضفة المحتلة، وترك الفلسطينيين يقتتلون فيما بينهم، ما أعطى الاحتلال هدنة من أجل التوسع الاستيطاني فيما استمر الاستنزاف الفلسطيني، بحيث بدت الأمور في لحظة من اللحظات وكأن مشروع تحرير فلسطين من الداخل أيضًا انهار وفشل كما فشل مشروع تحريرها من الخارج.

 

الانسحاب الصهيوني لم يشمل مدينة القدس المحتلة بل على العكس ازدادت وتيرة التهويد وبدأ مشروع تقسيم الأقصى والاستيلاء التدريجي عليه، مما حول المدينة إلى نقطة توتر مستمرة منذ عام 2010م حيث شعر أهلها بخطورة وضغط مشاريع الاحتلال.

 

يقوم المشروع السياسي للحكومة الحالية على ابتلاع الضفة المحلتة بالإضافة للقدس، وتصفية تدريجية للسلطة الفلسطينية، وإيجاد حل ما للتخلص من السكان الفلسطينيين في الضفة على المدى البعيد.

 

وهكذا شهدنا ارتفاعًا بهجمات المستوطنين وتسارعًا للاستيطان ومساعي للعودة إلى مناطق سبق وانسحب الاحتلال منها؛ مثل مستوطنات جنين المخلاة، وقبر يوسف، وإقامة بؤرة استيطانية في كفر عقب، وبؤرة استيطانية أمام مخيم العروب.

 

وفي موازاة ذلك كان لصمود المقاومة في حروب غزة الثلاث ، وانتفاضات مدينة القدس المتتالية الفضل بإعادة الاعتبار لمشروع المقاومة ولمشروع محاربة الاحتلال من داخل فلسطين. فجاءت انتفاضة القدس نتيجة طبيعية لانهيار مشروع التسوية السلمية، ورد فعل متوقع على تسارع وتيرة التهويد، واستجابة جيدة لعملية ترميم خيار المقاومة.

 

ما يشهده الشارع الفلسطيني من أحداث يصعب توصيفه بأن بوادر انتفاضة على شاكلة الانتفاضة الأولى، فبوجود السلطة والتنسيق الأمني مع إسرائيل باتت الأجهزة الأمنية للسلطة تحبط أي محاولة مقاومة أو هبة شعبية قد تتطور لترتقي إلى انتفاضة جديدة، فالعمليات القليلة للمقاومة غالبًا ما يتم إحباطها أو اعتقال الخلية المسؤولة عن تنفيذ العملية فلا تتمكن المقاومة من تنفيذ عمليات أخرى الا بعد مرور وقت طويل وتشكل خلية جديدة.

 

بدأ مؤخرًا يلوح بالأفق التفاف حول خيار المقاومة في مدن الضفة المحتلة طارحاً البدائل السلمية الأخرى التي تنادي بها سلطة أوسلو من مفاوضات عقيمة لما يزيد عن 24 عامًا، وليس أدل على ذلك من مباركة العملية شعبيًا التي قام بها أحمد نصر جرار وتبجيل ذكرى الشهيد والاحتفاء بكونه أرّق جيش الاحتلال في عملية مطاردته لما يزيد عن واحد وعشرين يومًا، فانتفضت الجماهير في نابلس للتصدي لقوات الاحتلال ما أسفر عن استشهاد الشاب خالد تايه في نفس اليوم ووقوع إصابات قدر عددها بـ 110 إصابات وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية. فضلاً عن العملية التي نفذها عبد الكريم عاصي والتي أدت إلى مقتل مستوطن من مستوطنة أرئيل قرب سلفيت، والتي جاء بعدها عملية قام بتنفيذها الشاب حمزة زعامرة من الخليل في مستوطنة كرم تسور والتي أسفرت عن إصابة مستوطن بجراح وصفت بالمتوسطة، قد توحي كل هذه العمليات ببداية مرحلة جديدة في تاريخ القضية.

 

هذه العمليات الفردية التي يقوم بها الشبان الفلسطينيون بدون أي تنظيم فصائلي تعبر عن عدم رغبة الشباب الفلسطيني في انتظار الأحزاب لتقوم بالدور المطلوب بقيادة الشارع الفلسطيني في عمل تنظيمي موحد، فباستثناء العملية التي قادها الشهيد جرار لم تكن أي من العمليات الأخرى تخضع لإطار حزبي.

 

 هل ستبقى العمليات في الضفة الغربية عمليات يتيمة أم ستتخذ الأحزاب دورها في قيادة الشارع الفلسطيني لتتحول هذه الجهود الفردية إلى انتفاضة شعبية؟ فإن كان هنالك فعلاً بوادر لمرحلة جديدة فالسؤال اليوم: ما هي السبل والأهداف التي يجب أن تكون للانتفاضة الثالثة؟ هو سؤال يجب التفكير بصياغة أجوبته من الآن، لأن أمرًا واحدًا بقي ثابتًا وواضحًا: الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقه في الاستقلال والعيش بكرامة في أرضه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق