مصطفى أبو السعود
ربما من باب قول الله عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) وجب علينا الاعتراف بأن العدو الصهيوني يتمتع بمزايا نفتقدها في عالمنا العربي، فلو بحثنا في أصول المعاملات الإسلامية لوجدنا ان لها نصيباً كبيرا في التطبيق لديهم، رغم أنهم على باطل، ونحن على حق، ورغم أن عمرهم قصير، بينما جذورنا ضاربة في التاريخ، ورغم أننا مسلمون، ورغم كثرة كليات القانون. فإن أكثر ما يغيب عن ساحتنا العربية هو ( تطبيق القانون) ومبدأ المحاسبة الفردية والجماعية للراعي والرعية ، من باب (وقفوهم إنهم مسؤولون ) رغم أننا نعلم ( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها لكن (إذا سرق الفقير رغيف خبز ليأكله .. سقوه السم ماء، ويسرق ذو الغنى أرزاق شعب برمته ، ولا يلقى جزاء )
فالقانون هو وسيلة أساسيَّة يُعتمَد عليها لتحقيق أعلى قدر من الضَّبط الاجتماعي في المجتمع لِتنظيم سلوك أفراده. وتماسكهم واستقرارهم من خلال تحقيق العدالة، وتوفير الحرِّية والأمن.
يقول (صامويل هنتنجتون ) صاحب نظرية (صراع الحضارات) ان النظام والقانون هما أساس بناء أي مجتمع، فلا يمكن لمجتمع ان يزدهر دون ان يلتزم أفراده بالنظام العام ودون ان يخضع الجميع للقانون، لأنه في الدول التي يصير فيها القانون فوق الجميع تكون نسبة انضباط الأفكار والسلوك عالية جدا، وتكون نسبة الانحراف في أدنى مستوياتها، لان الكل يعرف ان انحرافه سيذهب به إلى العقاب بكل ألوانه ( المالي أو البدني أو النفسي)، لذا سيحرص على عدم تجاوز حدوده كي لا يفقد حقوقه.
وفي كتاب ( الدولة اليهودية) لمؤلفه تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية يقول : ( لدينا القوة الكافية لإنشاء دولةٍ، بل دولة نموذجية. ) ولو دققنا في المعايير التي تجعل الدولة نموذجية هي مدى تمتع الأفراد بحقوقهم المنبثقة عن تطبيق القانون. وشخصيا ومن باب الإنصاف والموضوعية، فإننا لو دققنا في كلمة « نموذجية «سنجد أن دولة الاحتلال التي هي وليدة أفكار هرتزل تتمتع بمميزات تجعل منها دولة نموذجية، حيث أن الجميع يخضع للقانون من رئيس الدولة حتى أصغر مواطن ، ويطبق عليه « من أين لك هذا؟ « كما أن تصرفاته في كل الأوقات تخضع للتقييم المستمر ، لأن سوء تصرفه ينعكس على الوضع الداخلي، ولنا في اعتقال أولمرت رئيس الوزراء الصهيوني السابق على خلفية تهم عديدة، عبرة كبيرة، حيث كشفت صحيفة يديعوت أحرنوت ذات يوم عن قيام مصلحة السجون الإسرائيلية بمعاقبته بحرمانه من الزيارة لمدة شهر بسبب انتقاداتٍ لاذعةٍ وجهها لإدارة السجن، حيث علق مسئول في مصلحة السجون بالقول «لا يوجد سجنVIP فالجميع هنا يحصلون على نفس المعاملة»، و آخرها ما أوصت به الشرطة الإسرائيلية مساء الثلاثاء 13فبراير ، بمحاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهمتين بعد سبع مرات من الاستجواب :
الأولى : الملف المعروف باسم «1000 «، « حيث يُشتبه في أن نتنياهو وزوجته سارة حصلا على « هدايا غير مشروعة « وخاصة السجائر وزجاجات الشمبانيا التي تقدر قيمتها بمئات آلاف الشواكل وقدمها إليهما الملياردير الإسرائيلي والمنتج في هوليود آرون ميلتشان.
الثانية : «قضية 2000»تتعلق بصفقة غير مشروعة مفترضة بين نتنياهو ومالك صحيفة «يديعوت أحرونوت» أرنون موزيس.
رغم ان نتنياهو قدم لشعبه ودولته ما لم يقدمه أي زعيم عربي، ففي عهده شن حروبا على غزة حرق فيها الأخضر واليابس، واسقط دولا عربية عديدة في شباك الهوى الصهيوني، وفي عهده انتزع اعترافاً أمريكيا بأن القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وتسارعت وتيرة بناء المغتصبات وتهويد القدس وقائمة انجازاته تطول، إلا ان ذلك لم يشفع له و لم يمنع القضاء الصهيوني من التحقيق معه ومحاكمته، على عكس الدول العربية فقد اقتربت الانجازات إلى الصفر ولا زلنا نرى فيها آلهة لا يأتيهم الباطل من بين يدهم ولا من خلفهم.
طبعاً إعجابي بفكرة تطبيق القانون لا يقدح بوطنيتي. بل ان الحكمة ضالة المؤمن. وهذا الرأي لا يقر لهم بممارساتهم العنجهية تجاه فلسطين أرضاً وشعباً، بل هم يلتزمون بالقانون تجاه أنفسهم فقط، وهذا لا ينفي أيضا وجود تمييز وعنصرية بين طبقات اليهود.
واختم بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (ان الله ينصر الدولة العادلة حتى لو كانت كافرة. ولا ينصر الدول الظالمة حتى لو كانت مسلمة).
ويبقى السؤال المطروح إذا كان القضاء الصهيوني يحاكم نتنياهو على هدايا لا يساوي ثمنها ثمن سهرة لحاكم عربي.فبماذا سيكون الحكم على طغاة العرب؟.


التعليقات : 0