معروف الطيب
لم يفاجئني سقوط الطائرة صدقاً، فهو بالنسبة لي خبر مرتقب ومتأخرٌ كثيراً، ولكنَّهُ جاء في النهاية، أجمل ما فيه أنَّهُ أشعرنا بالثقة بالذات، وأطلق عنان التوقعات، ووضع احتمالات شكل نهاية الصراع مع الأجانب الغرباء الذين طالما شعروا أنهم صاحب البلاد، حتى وصل بهم الحد لالقاء المقدسات على بعضهم البعض كهبات، وإقرارها عواصم لهم..
ذكرَّناهم ولو للحظة أنَّهم قابلون لتلقَّي الضربات، وشعروا أنهم قد يكونون في لحظات بقائهم الأخيرة.. وصلتهم الرسالة بطعمِ العلقم، لن يتجرعوها، نعم، ولكنهم مرغمون على تجرُّعها. قصتهم تشبه قصة المختار الذي كانَ يدَّعي الهيبةَ، يدخلُ الحارةَ فيختبئُ منه الأطفال، ومن يرفض الاختباء، يكيلُ له الصَّفعاتِ ليؤكد على خوفِ الجميعِ منه، وليطمئنَ زوجتهُ التي تزغردُ له من فوق الشرفةِ كلما هلت طلعتهُ البهيَّة، على استمراِر فحولتِهِ..
بعضُ الأطفالِ المرتعبين، صاروا يصفِّقون له كلَّما صفع واحداُ من إخوتهم، تعبيراً عن الشعورِ بالعجز، وتغلغلِ الدونيَّةِ. كعادتِهِ مستمرئاً عجز العجزة وتوغلاً في تحطيم البنية النفسيَّةِ جعل قانون ضرب الأطفال شريعة يستسيغها أولياء الأمور ويذعنون لها.. وكأنَّ قانون الاذعان قدرٌ لا يخرجُ عنهُ أحدٌ من العرب. ولو خرج واحدٌ سيراهُ بقيَّةُ المذعنين من العربان كأنَّهُ قد كفر؛ وسرُّ كراهيَّتهم في الحقيقة هو أنَّهم يخشون من تسليط الضوءَ أكثر على ضعفهم وعجزهم وانبطاحهم. فالرئيس مبارك عندما تحدثَ الجنوبيُّون عن الحرب يوماً قال كلمته المشهورة «حرب إيه؟. دي الدبابة شكلها يخوِّف» ..
نعم، خافوا من الميركفاه، ومن ساعر 5، ومن الf16 . ولكنَّ طفلٌ ما قرَّرَ التمرُّد على العجزِ المستشري في ولاة الأمر وأكوام الجيوش العاجزة، وتحطيم أسطورة المختار الذي لا يقدر عليهِ أحد، طفلٌ ما كانت حساباتُهُ مختصرة، وقرَّرَ أن يكون قدوةً للثوَّار وقال في نفسهِ» ماذا سأخسر لو أني (لسعت) المختار ذا الهيبة، والوقار، والعصا الغليظة صفعةً واحدةً؟.. وماذا سيخسر هو؟. تجرأ الطفلُ، ولدى دخولِ المختارِ الحارةَ، وبعدَ شروعه في تخويفِ الأطفالِ، قفز الطفلُ (هالعكروت) في الهواء فارتفع ليصبح في موازاة خدِّ المختار ولسعَهُ (خمساويَّاً) نفض بريق الكبر والعجب، وشحبار ملامح القسوةِ المرسومة بالألوانِ الكاذبةِ عن وجنتِهِ. وسقطت الطائرةُ ومعها معالم رجولته، وانهار الضعفاء وكأنَّ الصفعة على وجوههم هم، وسقطت قلوب السكارى في أصابع أقدامهم على وتيرة (الباراشوت) الذي تدلَّى حطام الطيَّار.
لم تكن سوى رسالة، ولكنَّها رسالةٌ قاسيةٌ، لأنَّ المصفوع بلطجي المنطقة، والصافع من المفترض أن يكون ضعيفاً مكسوراً في أضعف حالاتهِ.. لا يعنيني كثيراً إذا كان لدى غرفة عمليات حلفاء سوريَّة العديد من سام 5 المجهز لتفادي التشويش الصهيوني، كما لم يعنِ الطفل ما إذا كان المختار سيقضي عليه بالضرب المبرح بالعكاز ثمناً لهذه الصفعة.. المهم جدَّاً أن المختار تلقى صفعة من طفل، أمام كل الحبايب، الله لا يوريها للحبايب.


التعليقات : 0