بقلم : حماد صبح
" في حال الاعتداء على إسرائيل فلن تقف الولايات المتحدة وحدها إلى جانبها ، بل روسيا أيضا " ، الكلام لليونيد فرولوف نائب السفير الروسي في تل أبيب في مقابلة مع صحيفة " تايمز أوف إسرائيل " ، ونفهم من السياق أنه يعني بالاعتداء اعتداء إيران .
في كلام فرولوف مفاجأة كبيرة لصراحته في تحديد انحياز بلاده إلى إسرائيل ضد إيران ، وحكما ضد محور الممانعة الذي تنتمي إليه إيران ، والمؤلف منها ومن سوريا ومن حزب الله ومن المقاومة الفلسطينية ، وفيه، كلام فرولوف ، مساواة بين الانحياز الروسي لإسرائيل والانحياز الأميركي المطلق لها . كلام فرولوف خطير ؛ لأنه كلام دبلوماسي مسئول يزن كلماته بدقة ، ويمثل سياسة بلاده .
وهذا يطرح التساؤل حول حقيقة الموقف الروسي من إسرائيل ، وتحديدا في محنة سوريا الحالية : فهل هو لصالح سوريا أم لصالح إسرائيل ؟! أم أنه يوازن عادلا بين المصلحتين ؟! غضت سوريا عقلها وقلبها مكرهة عن التفاهمات الروسية الإسرائيلية في أراضيها والتي أباحت لإسرائيل اصطناع خطوط حمر كثيرة وطويلة وعريضة مكنتها من عشرات الاعتداءات على السيادة السورية ، ولسان حال سوريا أن نارا أخف من نار _ مع ما في النار الإسرائيلية من وفرة مهانة حارقة للروح السورية والعربية الوطنية ، ونستثني روح حلفاء إسرائيل من العرب _ لحاجتها الكبيرة إلى العون الروسي عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا ، ولا تنكر فاعلية هذا العون في ثبات سوريا في الحرب القاسية المدمرة المتطاولة المتعددة الأعداء الذين تجابههم بين ظاهرين ومخفيين وقريبين وبعيدين . وكثرة المشتركين في المحنة السورية من أصدقاء لسوريا وأعداء لها دفع الخطوط بينهم للتصادم حينا وللتلاقي حينا آخر حتى يصعب أحيانا معرفة من مع من ومن ضد من .
والمؤكد المرسخ أن إسرائيل عدو قُح لسوريا ، سيء النية في صلته بأحداث محنتها ، وهذا التميز الإسرائيلي في العداوة والسوء يصنف نوعية من يقترب من إسرائيل مصادقا لها في محنة سوريا ، ومن يبتعد عنها معاديا لها في هذه المحنة .
إيران معادية لإسرائيل في هذه المحنة وفي غيرها من مشكلات المنطقة وقضاياها ، وبهذا هي صديقة مخلصة لسوريا ، ومن يعادِها يعادِ سوريا ، وهذا هو المستخلص التلقائي من كلام فرولوف الذي يزيد كلامه وضوحا وحسما مؤكدا " إن طلب إسرائيل بعدم السماح لإيران بإنشاء تواجد عسكري قوي في سوريا شرعي تماما " .
المتفق عليه ، أو هذا ما نفهمه ، أن روسيا وإيران تدخلتا عسكريا في سوريا لمعاونتها في مواجهة هذه الحرب الكونية المأساوية التي ينعدم شبيهها في الحروب ، وللدولتين قطعا مصلحة ذاتية في هذه المعاونة المكلفة ، ووحدة هدفهما فيها تحتم على أي منهما ألا تنزعج أو تتخوف من زيادة التواجد العسكري لشريكتها في المعاونة ؛ فهذه الزيادة من أثرها تحقيق هدفهما منها في وقت أسرع من عدم زيادة تواجدها ، وكلام فرولوف يناقض هذه الحتمية المنطقية ، ويحرك التساؤلات والشكوك حول حقيقة الموقف الروسي من إسرائيل ، وتخصيصا في سوريا : هل تدخلها لمصلحة سوريا أم لمصلحتها فقط ومصلحة إسرائيل ؟! المتفق عليه والمفهوم مثلما قلنا أنه لمصلحة سوريا ولمصلحتها ، أي روسيا ، وقد يمكن ، وعلى كره وألم ، مثلما اضطرت سوريا حتى الآن ، قبول مراعاة ما لمصلحة إسرائيل آخذين في الرأي قوة النفوذ اليهودي في روسيا ، ووجود قرابة مليون من أصل روسي أو من مواطني الاتحاد السوفيتي السابق في إسرائيل ، ومنتبهين إلى جوانب مصلحية أخرى بين الدولتين ، وإلى حقيقة أن المشروع الصهيوني تأسس بسواعد يهود روس ، ويكفي أن أربعة من أعمدته الأساسية روس الأصل ، وهم جابوتنسكي ومناحيم بيجن وحاييم وايزمان وجولدا مائير ، وخامس هذه الأعمدة ، ديفيد بن جوريون ، من بولندا الدائرة زمن ولادته وبعدها بعقود في الفلك الروسي كرها أو طوعا ، لكن توافقات وتلاقيات العلاقة الروسية الإسرائيلية لا يجب أن يكون حصادها الأسود تحرير يد إسرائيل في سوريا من بوابة روسيا ، وإطالة هذه الحرب الوبيلة فيها .
من أثر هذا الانحراف الروسي نحو إسرائيل أن يفقد روسيا كثيرا من الثقة في العالم العربي والإسلامي ، وأن يلقي بها في كفة واحدة مع إسرائيل وأميركا ، ولا نحسبها تحب أن تكون في هذه الكفة وهي التي تعرف حقيقة الموقف الأميركي العدائي منها ، والموقف الإسرائيلي لا ينفصل جوهريا عن الموقف الأميركي إلا أن إسرائيل بارعة في المناورة بين المواقف المتعددة المتنافرة .
وروسيا تعي وعيا واضحا متيقنا أن هدف إسرائيل وأميركا هو تفتيت سوريا إلى دويلات عرقية وطائفية ، وأن مواطأتها لإسرائيل في المحنة السورية ستسهل هذه الهدف الشيطاني وتعجل به ، ومتى تحقق لها ولأميركا فما بعده هو التوجه لفعل ذات الشيء في إيران وتركيا وروسيا ، وغيرها من الدول المُجَدْولة أسماؤها في السجل الأميركي الذي تتحرك إسرائيل مرة في ظله ومرة في ضوئه حسب الحال ، وتجنبا لهذا المصير القاتل يتوجب على روسيا وإيران وتركيا أن تكون في توافق في خططها وأهدافها في سوريا حماية للدول الثلاث مثلما هو حماية لسوريا، وإن كنا نعتقد أن الرأس التركي أشد عنادا ويبوسة من أن يتخلى عن أهدافه العثمانية التوسعية في سوريا .


التعليقات : 0