معروف الطيب
لم يكن العدو قد تعلَّم ضبط النفس في عصر ما قبل الطائرة، بل كان رده يأتينا قبل أن يتصاعد غبار التفجير، ولكنَّ أمراً ما تسلل إلى وجدانِهِ، وربما تكون صفعة الطائرة لا زالت معلمة على (قفاه) فأهم ما تبدى له من تداعيات الطائرة التي أسقطتها المقاومة أنَّ هناك جبهة واحدة موحدة قد تشكلت، وأن الهجوم على أية ناحية في هذه الجبهة يستدعي دخول الحلفاء معاً في حرب شاملة ضد الكيان،
وهذه الفرضية التي تحدث العدو عن التعامل معها كحقيقة مؤخراً هي الرادع الأقوى في وجه جبروته للآن على الأقل؛ لعدم توفر جهوزية الجبهة الداخلية للقيام بالتصعيد الذي سيتدحرج حتماً باتجاه المواجهة الشاملة.. هذه الحيرة المرعبة أفصح عنها بعض أركان هذا الكيان فهم من جهة يريدون المحافظة على قوَّة الردع؛ لإرهاب غزة وفي نفس اللحظة لا يريدون تدحرج الأمور باتجاه حرب شاملة في الشمال والجنوب وعلى كل الجبهات معاً.
هذا الوضع الذي لا تحسد (إسرائيل) عليه لم تمر في تاريخها بمثلة، ولكنها تجد نفسها مضطرة للهروب إلى الأمام نحو مواجهة أشمل محسوبة وضخمة، تحشد لها العالم بأسره إن استطاعت، لأن الصهيوني يتعامل بمنطق «إذا كان الصهيوني بخطر، فلا يجوز أن يسلم أحد في العالم» وهي مضطرة لممارسة تضخيم الخطر الذي تمثله المقاومة على العالم أجمع.. وفي هذا السياق يكون من السهل فهم فتح ملف الأسلحة الكيماوية في سوريا، وتفجير مسألة الغاز والنفط في المياه اللبنانية، وكذلك الحديث عن نوايا أمريكية اقتطاع جزءاً من سورية في شرق الفرات.
أدركت (إسرائيل) على ما يبدو أن المواجهة القادمة ليست لمصلحتها بالمطلق وستخسرها إن دخلتها منفردة، وإن لم تتمكن من الانتقال لمرحلة التهديد الفاعل، واجبار الخصم على الاذعان؛ وامتلاك ما من شأنه أن يحد من تحركات المقاومة ابتداء من طهران وليس انتهاء بغزة وعزلها ومحاصرتها.
في الخندق المقابل تبدو جرعة ثقة المقاومة بنفسها قد تضاعفت، بحيث لا تؤثر التحركات الأمريكية والصهيونية سلباً على معنوياتها، وكأنها تدرك سلفا بالمسار الذي سيؤول إليه، ورأينا كيف تستعرض المقاومة مؤخراً منظومة صواريخها التي تقدم الحلول في البر والبحر والجو، بل وصل الأمر لنشر الاحداثيات للأهداف التي ستقصف في الحرب وفي الساعة الأولى لاندلاعها، وفضح جميع القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وأنواع الصواريخ الموجهة إلي كل واحدة. وقد ارتفع السقف في تهديدات روسيا لأمريكا إلى حد التحدي حيث صرح سيرغي لافروف أن أمريكا تلعب بالنار في سوريا، وهذا المصطلح يمثِّلُ تهديداً بامتياز. يبدو أن تهديدات لافروف تأتي في سياق التسارع غير المعلن في التحشيد الذي تقوم به (إسرائيل) وكأنَّ المقاومة تطرق الجمجمة الصهيونية من جديد لتقول: «إذا كانت أمريكا منحازة تماما لمصالحها مع الكيان، فإن روسيا أيضا منحازة لمصالحها في المنطقة وهي مع المقاومة..
يبقى الوجود التركي الذي دخل للوحل السوري ولا يستطيع الخروج منه ولو بأدنى مستوى من (البهدلة) فهم كالمنبت الذي لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، ولسان حالهم يقول: « اللي شبكنا يخلصنا».. عصر جديد قد بانت ملامحه في هذا العصر لسنا نحن الذين يُضرب على قفاه ويبتلع الهوان، سبحان العاطي الذي حوَّل المقاومة إلى يد عليا، وفي أحلك ساعات العرب ظلمة، وجعل الكيان يحسب مليارات الحسابات قبل لملمة كرامته المبعثرة على الحدود الشرقية، وكل التحايا للمقاومة التي توفي بالانتقام لدماء أبنائها وتفعل.


التعليقات : 0