جميل عبد النبي
العودة ليست منحة يمكن التراجع عنها. فمنذ أن غادر الفلسطينيون أرضهم تحت وطأة القصف الوحشي الصهيوني، لم يجرؤ أي مسئول في أي دولة في العالم، على أن ينكر واقع الفلسطينيين كلاجئين، حتى وإن لم يتخذ خطوة عملية على طريق حل هذه المعضلة الأخلاقية، سوى ما تجرأ عليه الشاذ الأمريكي» ترامب» الذي يمثل ذروة العلو والاستكبار الأمريكي.
وبالعموم، فإن ما تحاوله الإدارة الأمريكية لا يمثل- لا من قريب ولا من بعيد- أي صورة من صور الحق، أو حتى شبهة حق، تستدعي منا أن نناقشها بجدية، كل ما في الأمر أننا أمام قوة متغطرسة ترى في نفسها سيدة العالم، فتقرر نيابة عنه حقوقه وما يجب أن يقبله أو لا يقبله، ولعل أيا مما يمكن لأمريكا أن تقرره، كحق أو كقانون إنساني، من شأنه أن يربك الأرضية التي تقف عليها الولايات المتحدة نفسها، فمثلا: إن ادعت أن من حق اليهود أن يعودوا إلى أرض مروا بها في لحظة زمنية تاريخية، فإن مساحة أميركا كلها تصبح من حق السكان الأصليين الذين عاشوا فيها ولا يزالون لآلاف السنين، وربما ملايين السنين، قبل أن تطأ أقدام الغزاة أرضهم الآمنة، وإن قالوا أن ابن اللاجئ ليس لاجئا فكيف لهم أن يدعوا الحق في عودة أحفاد من مروا مرور الكرام على أرض ليست لهم، بعد آلاف السنين؟
لا يوجد في المعادلة الأمريكية أي شبهة من الحق، ولا أي مقوم من مقومات الحياة، سوى قانون الغاب الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على العالم، والذي ينهش فيه القوي لحم الضعيف، دون أن يمنحه الحق في مجرد الصراخ..! نحن إذن أمام معادلة إستعمارية جديدة، تفوق في بشاعتها كل أشكال الاستعمار القديم، الذي عرفه العالم خلال القرون السابقة، وفي حالة كهذه فإن من العبث أن نواجه هذه الغطرسة بذات الأدوات التي لم تفلح حتى اللحظة بزحزحة الموقف الأمريكي ولو بسنتيمتر واحد تجاه الحقوق الفلسطينية، والأهم هذه المرة أن المستهدف هو جوهر القضية الفلسطينية المتمثل في اللاجئين، ولعله قد حان الوقت لأن تعلم كل الجهات الفلسطينية الرسمية، بل وأن تبلغ به العالم، أن هذا الحق على وجه التحديد، لا تملك أي جهة حق التصرف به، فهو حق شخصي لكل لاجئ على حدة، ولربما لا أبالغ لو قلت: أنه ليس محصورا في كل الأحياء أيضا، كونه يتعلق بحق أجيال لم تولد بعد، ليس من حقنا أن نقرر فصلهم عن جذورهم وحقهم في الحياة في وطن لهم ككل عباد الله على هذه الأرض.
ولربما أيضا آن الأوان لأن تتولى الجماهير صاحبة الحق زمام المبادرة في هذه المسألة المصيرية، وأن تأخذ على عاتقها مسئولية العودة إلى حيث أرغمت على المغادرة، فمن العبث أن نستمر في الانتظار إلى أن يتولى الآخرون نيابة عنا القيام بما علينا نحن أن نقوم به.
ليس المطلوب أن تتصدى صدور الناس العارية لآلة الحرب الإسرائيلية، وفي المقابل فإن الانتظار لم يعد يجدي نفعا، حيث يمكن لتطاول السنين أن يزيد المسألة تعقيدا، ولربما هذا بالضبط ما تراهن عليه "إسرائيل"، بأن ترتبط مصالح الأجيال القادمة بمصالح المناطق التي سيولدون فيها خارج فلسطين، ومن ثم سيستنكفون عن المطالبة بحق العودة.
بكلمة أخرى: الناس هي من يجب أن تتصدى للمطالبة بحق العودة، لكن بوسائل يستطيعونها من جهة، ومن جهة ثانية تستطيع تحييد آلة الحرب الدموية التي تبحث "إسرائيل" على الدوام عما يبرر استخدامها، نحن إذن أمام معادلة جديدة لا بد من إقحامها إلى ساحة المعركة، تقف الجماهير فيها في مقدمة الصفوف، بأساليب فعالة وقوية، لكنها خالية تماما من العنف.
المطلوب هنا ليس مجرد مسيرات موسمية- على أهميتها- وإنما فعل متدرج هادئ، قد يصل إلى مستوى زحف شعبي مليوني تقوم به كل التجمعات الفلسطينية المحاذية لفلسطين المحتلة، في كل من غزة والضفة وسوريا ولبنان والأردن، ترافقها مسيرات شعبية تدعو لها كل الجاليات الفلسطينية في كل أماكن تواجدها، بالتعاون مع كل المؤسسات الحقوقية المدافعة عن حق الإنسان في الحياة، ترفع شعارا واحدا:» نريد أن نحيا بسلام في أرض الآباء والأجداد»، ليس بالضرورة أن تحاول هذه الجموع اقتحام السلك الفاصل، بين فلسطين المحتلة وبقية الأماكن التي يتواجد فيها اللاجئون، خاصة في مراحل الزحف الأولى، إنما لا بد أولا من تحشيد أكبر قدر ممكن من الداعمين الدوليين، ووسائل الإعلام العالمية التي ستبادر هي لحضور هذا الحدث التاريخي إن حدث، ونحن قادرون على إحداثه. لا يجب أن يستهين أحد بقوة الجماهير، ولا أن يسعى لاستبدالها بأي وسيلة أخرى، قد تفقد القدرة على الحركة، بفعل معادلات يستطيع الاحتلال فرضها، كما هو حاصل الآن، لقد استطاعت الجماهير في خمسينيات القرن الماضي أن تفشل مشاريع التوطين التي اقترحت في حينه، وهي قادرة على أن تفشل المحاولات الحالية لشطب قضية اللاجئين، إن استطاعت أن تخاطب العالم باللغة التي يفهمها، والتي كانت حكرا على إسرائيل، حيث طوال الوقت كانت إسرائيل تعمل على إخفاء معاناة اللاجئين، والظهور بمظهر المظلوم في وسط محيط متوحش من الفلسطينيين والعرب، الذين يريدون سحقها.!
السؤال هو: ماذا تستطيع إسرائيل أن تفعل في مواجهة الملايين المسالمة، إن نجحنا في تحشيد الداعمين الدوليين والتغطية الإعلامية الفعالة؟ أو بصيغة أخرى: هل تستطيع استخدام آلة الحرب في مواجهة المسالمين؟ ثم إننا لن نذهب في اتجاه الخطر إلا بعد أن نضمن عدم وجوده، وسوف يكون في كل الأحوال أقل رهبة مما خلقته جولات المواجهة المباشرة التي دخلتها المقاومة مع إسرائيل. أما عن الفصائل: فإن عليها أن تدعم هذه الجهود بكل طاقتها ولكن من الخلف، وأن تضمن هي ألا يتسلل إلى صفوف المسالمين من سيحاول إضفاء صفة العنف على هذا الزحف السلمي، ربما تلبية لحاجة إسرائيلية تبرر ضربه أو الاعتداء عليه، ثم عليها أن تتنافس فقط لدعم هذه الجهود بكل احتياجاتها اللوجستية، دون أن تحاول أبدا الاستحواذ عليها، أو تجييرها لأي مصلحة حزبية.


التعليقات : 0