تيسير الغوطي
يكاد يجمع الكل الفلسطيني بكافة أطيافه السياسية والاجتماعية على الرغبة في التحرير والاستقلال ودحر الاحتلال الصهيوني عن الأرض والمقدسات والثروات، وإقامة الدولة الفلسطينية الحرة الكريمة التي تضمن لأبنائها العيش الكريم والحرية بكافة أشكالها ومسمياتها، لكن هذا الكل يختلف في الطريق أو الطرائق الواجب سلوكها للوصول إلى تحقيق ذلك الهدف السامي، طبقا لاجتهاداته الفكرية والسياسية، وتحديد الخط الفاصل والدقيق بين مصالحه وتطلعاته الشخصية والمصالح والتطلعات العامة للكل الفلسطيني، وأيا كانت تلك الطرائق والأساليب الهادفة للوصول إلى التحرير والاستقلال، فإن على الجميع ان يدرك انه لا يمكنه الوصول إلى هدفه وبطرائقه ما لم يكن هناك وحدة بين الكل الفلسطيني على القواسم الأساسية التي تساعد في سرعة الوصول إلى هدف التحرير والاستقلال، وأول هذه القواسم هو الوحدة بين الكل الفلسطيني، لأنها الطريق الوحيد لتجميع كل الطاقات والإبداعات الفلسطينية باتجاه تحقيق التحرير والاستقلال. تحرير فلسطين لا يمكن ان يتحقق بدون تحقيق مقومات التحرير على أرض الواقع (وليس في الخطب والتصريحات الإعلامية)، وأول هذه المقومات إيذاء العدو الصهيوني ورفع تكلفة احتلاله للأرض الفلسطينية في كافة المجالات البشرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية ... إلخ، وكلما زادت هذه التكلفة اقتربت ساعة التحرير والاستقلال، فأي عدو محتل مغتصب لا يمكنه التخلي عما يغتصبه من ارض ومقدسات وحقوق الآخرين ما لم يكلفه ذلك الاحتلال والاغتصاب ما هو فوق قدرته وطاقة احتماله من التكاليف المختلفة، وفي التاريخ الكثير من الأمثلة وفي مقدمتها الجزائر والاحتلال الفرنسي لها، أما كيف نحقق هذا الإيذاء ونرفع تلك التكلفة فهذا مما قد تختلف فيه الاجتهادات البشرية.
وثاني مقومات التحرير هو توحيد الجبهة الداخلية باتجاه الهدف الأساس، وهذا التوحيد لا يمكن ان يتم على ارض الواقع ما لم يتم احترام كافة الاجتهادات لكافة مكونات الجبهة الداخلية، والبحث عن كيفية توجيه هذه الاجتهادات باتجاه الهدف الأساس في التحرير والاستقلال، وهنا لا يكفي الادعاءات عبر التصريحات الإعلامية بل المحك والفيصل هو الممارسة على ارض الواقع ، فهي التي تكشف صدق هذه الادعاءات من زيفها وحقيقة أنها للاستهلاك الإعلامي، فالطرف الفلسطيني الرسمي يصرح ليل نهار ويتخذ القرارات عقب الاجتماعات الرسمية بوقف التنسيق الأمني مثلا مع الكيان الصهيوني، لكن الوقائع على الأرض تكذب ذلك كله بل وتفضحه، كما أن الكيان الصهيوني يزيد تلك الفضيحة ولا يحاول التستر عليها، يقول محلل الشؤون العسكرية في القناة العاشرة الصهيونية ألون بن دافيد 17/2/2018» ان اكتشاف منفذي العمليات التي وقعت مؤخرا في الضفة الغربية جاء بفضل كاميرات المراقبة الفلسطينية والإسرائيلية « ، ويضيف نقلا عن أجهزة المخابرات الصهيونية «أنها حصلت على دعم كامل من الأجهزة الفلسطينية لمدة شهر «، مشددا على أن «الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة تقوم بكل ما في وسعها حتى لا يتم التشويش وعرقلة العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي داخل المدن الفلسطينية»، ومذكرا بإنقاذ الشرطة الفلسطينية لجنديين دخلا بطريق الخطأ مدينة جنين، وإعادة سلاح أحدهما الذي تم سلبه من قبل المواطنين، الأمر الذي استحق من وزير الأمن الصهيوني الإشادة بالتنسيق الأمني وتوجيه الشكر والامتنان للشرطة الفلسطينية على إنقاذ الجنديين»!!، وكلنا شاهد كيف أخلت قوات الأمن الفلسطينية مواقعها حول مخيم جنين قبل بدء العملية العسكرية الصهيونية حملتها لاعتقال أو تصفية البطل احمد نصر جرار ، بدلا من أن تدافع عن الفلسطينيين وممتلكاتهم وتتصدى للقوات الصهيونية، وفي أدنى التقديرات تحذير المجاهدين لتغيير مكانهم!.
وثالث مقومات التحرير هو تعزيز مقومات الصمود لدى الشعب الفلسطيني سواء الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فهذا مما يعين أبناء الشعب على تحمل جرائم وظلم الاحتلال الصهيوني، ويمنحهم الطاقة لإبداع وسائل مقاومة مختلفة تؤذي العدو الصهيوني وترفع تكلفة احتلاله للأرض والمقدسات، بدل ان يكون كل همه تحصيل رغيف الخبز له ولأسرته، كما يحصل اليوم في قطاع غزة من عقوبات تفرضها السلطة الرسمية طالت معظم قطاعات الحياة الاقتصادية من رواتب موظفين، وكهرباء ، وخدمات وزارية، رغم تشدق معظم الوزراء والمسئولين إعلاميا عن دعم أبناء القطاع وتحقيق المساواة مع القطاعات المثيلة في الضفة، حتى وصل الأمر إلى توقف خدمات النظافة في المستشفيات والمؤسسات الصحية.
ورابع مقومات التحرير هو العمل بجميع الخيارات دونما استثناء وفي مقدمتها الخيار العسكري والتناسق والتنسيق بينها لتحقيق أعلى كفاءة في مواجهة الاحتلال وجرائمه ورفع تكلفة احتلاله للأرض الفلسطينية واغتصابه لحقوق الشعب الفلسطيني.
إننا اليوم أمام منعطف هام وخطير لمسيرة القضية الفلسطينية في ظل التغييرات الإقليمية الحادثة حولنا، وفي ظل الحديث المتزايد عن قرب إعلان صفقة القرن بكل ما تحمله وتعنيه من استلاب للحق الفلسطيني لصالح العدو الصهيوني، لذا فنحن مطالبون اليوم وبضرورة اشد مما سبق أن نحقق المقومات المطلوبة للتحرير والاستقلال السابق ذكرها وفي مقدمتها الوحدة، والمسئولية في ذلك تقع على كافة الجهات والقيادات الفلسطينية من رسمية وفصائلية ومستقلة ومجتمع مدني، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم ولا تتحقق الرغبة بالرجوع إلى الوراء.


التعليقات : 0