أمريكا تتجاوز الدبلوماسية في فرض سياساتها على الجميع... خالد صادق

أمريكا تتجاوز الدبلوماسية في فرض سياساتها على الجميع... خالد صادق
أقلام وآراء

خالد صادق

عندما تتخلي عن دبلوماسيتك في خطابك السياسي, فهذا معناه شيئان أساسيان.

 

أولهما: ان تكون دكتاتوريا كبيرا ومستعدا لأن تريق الدماء وتزهق الأرواح دون ان تعمل اعتباراً لأحد حتى للمنظمات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية, وهذا يعني انك ان لم تكن قويا, فتكون قد وفرت لنفسك حماية خارجية من دولة عظمى تحمي دكتاتوريتك وعرشك ومصالحك, بشرط الولاء المطلق والتبعية العمياء والانصياع الكامل لرغبات أسيادك, وهذا الأمر أكثر حصولا في عالمنا العربي, ونعيشه الآن بأبشع صوره .

 

ثانيهما:ان تصل إلى قناعة كاملة بأن الطرف الذي أمامك اضعف واصغر بل وأحقر من ان تستخدم الدبلوماسية في التحاور معه ومناقشته, لأنه مستسلم وخانع تماما لسياساتك وإرادتك, ولا يجرؤ على معارضتك, ووجوده على رأس السلطة مرهون بك مباشرة, ومن مصلحته ان يتماهى مع توجهاتك, مهما كانت مجحفة أو حمقاء أو خرقاء أو فيها جور وقهر وإذلال, فهو اقل من ان تراه بالعين, أو تخاطبه باللسان, وهذا أيضا ما يوصم به معظم زعماؤنا العرب الذين أصبحوا كقطع شطرنج في يد الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني.    

 

الإدارة الأمريكية تخلت تماما عن دبلوماسيتها في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط, وخاصة القضية الفلسطينية, ولغة الخطاب الأمريكية فيها تحد فج واهانة واستهتار بالطرف المقابل, وقد وضح ذلك في خطابات ترامب ونائبه بنس ومندوبة الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن نيكي هيلي, ولا نريد ان نعود إلى ما قالوه عن القدس باعتبارها عاصمة موحدة للكيان الصهيوني والحل النهائي للقضية الفلسطينية, لكننا نشير إشارة فقط  لتصريحات هيلي التي تحدثت عن صفقة القرن, وأنها أصبحت جاهزة للتطبيق بعد وضع بعض الرتوش الأخيرة عليها, وصفقة القرن لا تعني فقط الالتفاف على القضية الفلسطينية, ووضع مخطط للحل النهائي لها, إنما تعني السيطرة على مقدرات الأمة, والتحكم في ثقافتها وتعليمها وتراثها, وتعني ان تكون «إسرائيل» وصية على العروش العربية, ترسم السياسات, وتحدد الملامح, وتضع الخيارات, وتوزع خيرات البلاد وتتحكم بها كيفما تشاء.

 

الزعماء العرب قبلوا بصفقة القرن كما هي دون مناقشة أو حوار, ولم تستخدم أمريكا خطاباً دبلوماسياً لإقناع العرب بقبولها, إنما أملتها عليهم املاء ليقولوا «نعم» ومن لم يقلها فهو في عداد المفقود منتهي الصلاحية, لأنه ليس هناك من الزعماء والقادة العرب من أنتج لنفسه رصيدا من الحماية الشعبية وعلى مستوى الجماهير, يستطيع ان يحصنه ويحميه من بطش الإدارة الأمريكية وسطوتها, وهذا ما تدركه الإدارة الأمريكية جيدا, وبالتالي ليس هناك حاجة لاستخدام الدبلوماسية في فرض سياساتها في المنطقة العربية والشرق أوسطية, حتى الخطاب الرسمي العربي أراد ان يتماهى مع المواقف الأمريكية بل ويسوق لها, فانقلب فجأة, وأصبح الحليف السعودي يرى في حماس مثلا وفصائل المقاومة الفلسطينية حركات إرهابية حسب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير, ويجب ملاحقتها والقضاء عليها, وان «إسرائيل» ليست عدوا وهي قوة فاعلة في المنطقة, على الزعماء العرب الاستفادة منها لاستقرار عروشهم, وإخضاع شعوبهم, وتطويع جيوشهم.

 

المنطق الدبلوماسي الغائب عن الإدارة الأمريكية في ظل حالة الترهل العربي لن يقتصر عليها بأي حال من الأحوال, فقد نشاهد نفس المنطق لدى العديد من الدول الأوروبية وروسيا والصين وغيرها, طالما بقيت دول المنطقة في حالة الوهن والضعف والاستكانة التي تعيشها الآن, والسلطة الفلسطينية لن تستطيع ان تلعب لعبة المحاور وتجند دولا أخرى ضد أمريكا و»إسرائيل» لحماية المواقف الفلسطينية وفق السياسة التي تنتهجها السلطة والتي تستند تماما إلى ما تسمى بمسيرة «السلام», فالعالم بدوله الكبرى لا يحترم الضعفاء, وهو يستخدمهم مرحليا لأجل تحقيق أطماعه وتنفيذ مخططاته ومؤامراته, ثم سرعان ما يتخلى عنهم, ويتركهم فريسة سهلة ومتاحة للشعوب لكي تفتك بهم, وهو ما بدا جليا وواضحا في ثورات «الربيع العربي» التي تخلت فيها الإدارة الأمريكية عن العديد من الزعماء العرب, وتركتهم ليلقوا مصيرهم أمام الشعوب, ثم أعادت انتاج زعماء آخرين بتفاصيل خاصة ووفق معايير جديدة, تقبل برسم جديد للمنطقة, بمفهوم أمريكي إسرائيلي بحت, وأصبحت الأمور سهلة وميسرة ومتاحة تماما أمام الإدارة الأمريكية و «إسرائيل» لتنفيذ سياستهما بحرية كاملة وبمساعدة النظم المتهالكة والتي لا تقوى على العيش إلا في كنف وتحت عباءة الإدارة الأمريكية و»إسرائيل».   

 

ان هذا المنطق يستدعي ويوجب ان تكون هناك وقفة للأمة والشعوب العربية التي هي الهدف الأول والأكبر في مخطط «صفقة القرن»لمواجهة حالة الوهن والضعف والاستسلام في المنطقة, وإفشال هذا المخطط المشؤوم, لا نريد ان تنشغل الأمة وقادتها ومثقفيها بقضايا هامشية تصنعها الإدارة الأمريكية و»إسرائيل» وحلفاؤهما, ان الصراعات الداخلية في الدول العربية والمنطقة مقصودة ومفتعلة, لغرض تمرير مخططات كبرى تهدف للسيطرة الأمريكية المطلقة على المنطقة العربية برمتها, وفك عزلة «إسرائيل», وجعلها المتحكم الرئيسي والأساسي فيها, والعصا التي تؤدب بها الإدارة الأمريكية كل من يحاول ان يعارض سياساتها ويتصدى لمخططاتها ومؤامراتها العدوانية, يجب ان تستفيق الأمة من سباتها, وتدرك واجبها لحماية نفسها من الأخطار التي تحدق بها, وأتمنى ان يتم ذلك قبل فوات الأوان, فما ينتظر المنطقة العربية والشرق أوسطية أكبر بكثير مما يتصوره البعض, ويدعو لحراك جماهيري واسع وسريع لإفشاله والتصدي له, فلا تنتظروا الضربة القاضية, وأفشلوها بحراككم الجماهيري الكبير قبل ان تتهاوى فوق رؤوسكم وتدخلكم في سبات عميق.     

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق