بقلم: تيسير الغوطي
التصريحات الأخيرة لرئيس طاقم المفاوضات الفلسطيني د.صائب عريقات مع الجانب الصهيوني لسنوات طويلة تؤكد الشبهات والاعتراضات التي طرحها الكثير من المهتمين بالشأن الفلسطيني من فلسطينيين وعرب ومسلمين منذ اتفاق أوسلو المشئوم وحتى اليوم ، بأن طريق المفاوضات مع الكيان الصهيوني لإعادة الحقوق الفلسطينية المغتصبة من الأرض والمقدسات والحقوق الإنسانية والتاريخية ليس أكثر من سراب ينتهي إلى فراغ وعدم، بل أكثر من ذلك يقدم خدمات جليلة ولا تحصى للكيان الصهيوني عجز عن تحقيقها طوال سنوات وعقود الصراع منذ النكبة 1948م وحتى أوسلو 1994م بالحروب والحديد والنار .
فقد قال الدكتور صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في حوار مع القناة العبرية الثانية 20/2/2018م: « أنا أعتقد أن الرئيس الحقيقي للشعب الفلسطيني هو وزير الحرب أفيغدور ليبرمان ، أما رئيس الوزراء الفلسطيني فهو المنسق بولي مردخاي « مؤكداً « أن أبو مازن لا يمكنه التحرك من رام الله دون إذن من مردخاي وليبرمان « ،ومضيفاً « أن أحد الشبان طالبه قبل إجرائه عملية زراعة الرئة قبل أشهر في الولايات المتحدة بعمل زراعة لسان جديد بدلاً من مواصلة خداع الفلسطينيين طوال هذه السنوات «،مشيراً أنه « بات مقتنعاً بهذه الفكرة « .
تصريحات د.صائب عريقات الأخيرة تؤكد بعضاً من الحقائق أو الملاحظات التي طرحها ويطرحها المعارضون للمفاوضات والسلام مع الكيان الصهيوني ، وأول هذه الحقائق أن السلطة الفلسطينية ليست أكثر من أداة بيد الكيان الصهيوني (ما دام رئيسها هو وزير الحرب ليبرمان ورئيس وزرائها منسق المناطق في الجيش الصهيوني مردخاي ), لتحقيق أهدافه ومصالحه وإدامة اغتصابه للأرض والحقوق الفلسطينية ، وفي مقدمتها منع أعمال المقاومة ضد الاحتلال وجنوده ومستوطنيه ، وملاحقة المجاهدين والمقاومين واعتقالهم وإحباط مخططاتهم وعملياتهم الجهادية وصولاً إلى تسليمهم للقوات الأمنية الصهيونية أو تسهيل اغتيالهم وقتلهم عبر التنسيق الأمني المشئوم ، ومن الأهداف أيضاً إغراق الفلسطيني وخاصة المسئول في مستنقع المال والشهوات والمصالح الشخصية ، ليكون أكثر بعداً وابتعاداً عن الرد الحقيقي والجاد على ممارسات الاحتلال الصهيوني من استيطان وقضم ومصادرة للأرض الفلسطينية ، ومن توغلات واعتقالات وهدم منازل وممتلكات فلسطينية ... إلخ ، وصولاً إلى القوانين العنصرية بحق أبناء الشعب الفلسطيني ، وقوانين ضم أراضٍ فلسطينية إلى دولة الكيان الصهيوني, ومن الأهداف أيضا أن تخفف السلطة عن الاحتلال الصهيوني عبء احتلاله للشعب والأرض والمقدسات، سواء العبء المالي والإداري الذي ستتحمله السلطة عبر مؤسساتها المختلفة ، أو العبء الأخلاقي أمام العالم بأنها تحتل شعباً آخر ، كما قال رئيس السلطة محمود عباس « سلطة بلا سلطة واحتلال بلا تكلفة «.
والحقيقة الثانية التي تؤكدها تصريحات د.عريقات أن السلطة لا تملك من أمرها شيئاً فإذا كانت لا تملك حق وحرية أن يتنقل أعضاؤها ومسؤلوها بين مناطق السلطة وداخل حدودها الاسمية والوهمية في نفس الوقت ، فكيف لها أن تملك حق وحرية التصرف في الأمور والقضايا الهامة لأبناء الشعب الفلسطيني وقضيته ومقدساته ، بل كيف لها أن تملك حق حماية أبناء الشعب الفلسطيني والتصدي لجرائم الاحتلال بحقه في أرضه ومقدساته وسيادته من سرقة للأرض والمقدرات والثروات ، والتي يمارسها الكيان الصهيوني صباح مساء ، وهذا ما عبر عنه رئيس السلطة محمود عباس بقوله « نحن سلطة بلا سلطة واحتلال بلا تكلفة «.
والحقيقة الثالثة أن السلطة مارست الخداع والتضليل على الشعب الفلسطيني طوال العقود الثلاثة الأخيرة أنه بالإمكان تحقيق الثوابت والمطالب والحقوق الفلسطينية ولو بحدها الأدنى عن طريق المفاوضات مع الكيان الصهيوني، وأنها قادرة بالدعم العربي والدولي على إجبار الكيان الصهيوني على التنازل للفلسطينيين وإعطائهم بعضاً من حقوقهم في الأرض والمقدسات والسيادة، وأن العمل العسكري والمقاوم (والذي وصف لاحقاً بالإرهاب ) يعرقل ويحول دون هذا الدعم العربي والدولي .
أمام هذا الواقع والحقائق التي تؤكدها تصريحات د. عريقات الأخيرة ، فإن على الشرفاء المخلصين من أبناء السلطة وقياداتها أن ينحازوا إلى شعبهم وحقوقه في أرضه ومقدساته وحريته وكرامته ، وحقه في المقاومة والدفع عن تلك الحقوق بكل الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح ، لأن هذا العدو وكما أثبت التاريخ والوقائع على الأرض لا يفهم إلا لغة القوة المؤذية له والمجبرة إياه على دفع التكلفة الباهظة التي لا يستطيع تحملها كي يديم احتلاله واغتصابه للأرض والمقدسات والحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني .
وعليهم أيضاً أن يعودوا إلى تاريخهم المشرق الذي يتفاخرون به عندما كانوا يقاومون الاحتلال على الأرض وفي المعتقلات الصهيونية، ويزرعون قيم الرفض والمقاومة لهذا الاحتلال في عقول الأجيال الناشئة، ويحرضونها على سلوك هذا الطريق الوحيد والأوحد لتحرير فلسطين واستعادة الحقوق المسلوبة .
وإذا لم يرغبوا في ذلك لحاجة لا يعلمها غيرهم إلا الله ، (وإن كنا نتوقعها بالتحليل والتقدير ) ، فعلى الأقل ألا يقفوا حجر عثرة أمام الراغبين في مقاومة الاحتلال والظلم الصهيوني على طريق إعادة الحق المسلوب والمغتصب ،وقبل ذلك ألا يكونوا أداة يستخدمها الكيان الصهيوني للبطش بأبناء شعبهم الذين اختاروا طريق المقاومة والجهاد لانتزاع حقوقهم وحريتهم وسيادتهم .


التعليقات : 0