معروف الطيب
اليوم نقبل فيك العزاء.. فنحن كعرب لنا عاداتنا التي نعتز بها فلا عزاء في القتيل إلا بعد الإمساك بقاتله، وتقديمه للعدالة.. دمك مازن لا يحتاج لمعجم طبقي لكي نفهمه.. فأنت نحن ودمك نبض الشرفاء جميعاً.. والسيف الذي أثكل والديك ويتَّمَ أطفالك أثكلنا عن بكرة أبينا ، ويتَّمنا دون استثناء.. كان من الطبيعي أن نصمت طوال الفترة السابقة صمت المتدبر المقهور لا نقبل فيك عزاء.. نتحسس عمق الجرح الذي أوغل في أعماق كينونتنا.. وها نحن اليوم نرثيك أجملنا وأطهرنا وأمضانا..
كم استقبحنا أنفسنا ونحن نستمع لاعتراف الجناة، هي ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية أن يخرج من بين المظلومين من يتوحد مع ظالمه، ويقبل أن يكون أداة طيِّعة له في إدماء أهله وشعبه.. معذرة.. من كانوا أهله وشعبه.. ليتني استطعت أن أغوص في أعماق ضميره (دون أن أتنجس طبعاً) لأستكشف بم كانت تحدثه نفسه وهو يدوس زناد الموت، وهو يحدق في عيون الطهر المقاوم.. أي مشاعر تلك التي نجح في سحقها واستبدلها بغريزة مستذئب لا يتنكر لإنسانيته ووطنيته وقوميته فحسب بل لكينونته ككائن حيٍّ يستطيب دماء بني نوعه وفصيلته.
فقهاء الذاهب بصمت الوعاظ، وشموخ المدافعين عن حقهم في الحياة لم يكن إلا واحداً من عشرات القادة في سفر التكوين لهذي الأمة، تماماً كما كان أبو جهاد الوزير، وعبد العزيز الرنتيسي، وفتحي الشقاقي، وأبو علي مصطفى وعشرات القادة وآلاف الجنود ديدنهم التضحية، ودأبهم التألق على طريق الشهادة، فالمسألة بالنسبة لهم هي مسألة وقت، وحارس عمرهم الأجل، حتى تنتخبهم الرصاصة التي تكون دائماً في يدٍ خانت وارتكست، ولا يوجد تعريف يستوعبها في كل لغات الأرض.
هي دائما ذات الحكاية تتكرر، والبطولة لهؤلاء الذين تخرج الجماهير على إثرهم تؤكد على عشقهم، واستمراريَّة انحيازها لدمائهم.. أما أولئك الخونة فلهم دائماً نفس المصير.. الذي لا يزيد عن منديل ورقي يمسح به العدو مخازيه ثم يلقيه في سلة المهملات.. أو فوطة تنظيف الأطفال التي تمتلئ بالقاذورات لمرة واحدة ثم يتم الاستغناء عنها للأبد.
لا يحركني استعطاف المجرمين وهم يدلون باعترافاتهم، وتدلف على شفاههم عبارات الندم، وتتدلى عبراتهم محاولة أن تنتخب أدنى شعور بالتفاعل، ولكن هيهات.. فالشهداء احتكروا تعاطفنا حتى آخر نهفة.. ولا مجال إلا أن ننصت لاعترافات الأوساخ ونحن متخشبون، ومرارة الألم تحجب الفهم والرؤية والذوق والإحساس بهم.. ويمنعنا الغضب حتى أن نرمش خشية أن تتهمنا ضمائرنا بخيانة عهد الشهداء.. فما أجبرهم وما أقذرهم وهم يبحثون لأنفسهم في مستنقعات التاريخ عن توصيفات لا ترضى بها الكلاب وديدان المجاري.
وما أجبرهم على أهلهم وأحبتهم وهم يصمونهم بخلاصة العار الذي من دنسه يتأفف العار نفسه، أعلم أنَّه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا ذنب لأهلهم وذويهم وهم يقترفون ما اقترفوا بحق فلسطين وأهلها الطيبين، ماذا سيقول لابنته وأخته التي تنتظر كباقي الفتيات أن يخطبها شاب يزين بها بيته وحياته.. لسنا ملائكة والغصة تفرض نفسها علينا ونحن نتذكر أولاد الشهيد وزوجته وذويه، وتجدنا نردد مرغمين» ما ذنبهم أن يفقدوا حبيبهم وشمعة حياتهم الذي عبقها بالمجد والغار» وربما بصورة مغايرة، وبغصة أخرى نتساءل» ما ذنب أهل الخائن المرتكس أن يتحملوا عاقبة أمره ولو على مستوى النظرات الصامتة المحشوة بالريبة».. ونحن لا نقصد ــ حاشا ربناــ أن نقول إنهم ملزمون بالاحتمال، ولكن لو برأتهم كل الدنيا، وتعاطفت معهم كما تتعاطف مع أسرة الشهيد فقهاء، بالتأكيد هم ما بين أنفسهم وأنفسهم يجدون أنفسهم محرومين من الشعور المريح لضمائرهم، وسيشعرون حتما بالقهر؛ لأن المجرم كان برصاصه الغادر يستهدفهم أيضاً في جملة من يستهدف.


التعليقات : 0