رحمة بعقولنا يا سادة ! تيسير الغوطي

رحمة بعقولنا يا سادة ! تيسير الغوطي
أقلام وآراء

 بقلم: تيسير الغوطي    

  شارفت القضية الفلسطينية على الوصول إلى منعطف خطير في مسارها وربما الأخطر منذ نشأتها على وقع الاحلام الصهيونية التلمودية وتناغمها مع الأطماع الاستعمارية الغربية في المنطقة الإسلامية ومصالح القوى الاستعمارية في التخلص من المشكلة اليهودية في أوروبا، ذلك أنها لم تكن في وقت من الأوقات أقرب إلى التصفية كما هي اليوم، فالحلفاء والأقربون (الدول العربية) لم يتخلوا عن دعم ثوابت القضية من التحرير والاستقلال ونيل الشعب الفلسطيني حقوقه في أرضه ومقدساته والحياة الإنسانية الكريمة فقط، بل انتقلوا إلى جبهة الأعداء بدءا بوقف الدعم العسكري والمعنوي والإعلامي (بكافة أشكاله)، وصولا إلى الضغط على الفلسطينيين للقبول بأجندة المؤامرة الصهيوأمريكية التي تصب في صالح العلو والإفساد الصهيوني بالمنطقة، مرورا بالاعتراف بشرعية اغتصاب الكيان الصهيوني للأرض والمقدسات والحقوق الفلسطينية ، وتحويله من عدو مركزي للأمة إلى صديق بل حليف يمكن التعاون معه.  أما الرأي العام الدولي والمنظمات الدولية خصوصا الأمم المتحدة فأصبحت بوقا إعلاميا للرغبات الصهيونية ومسرحا لإعطاء الشرعية لهذه الرغبات، بعدما تخلت عن كل مواقفها السابقة الداعمة للحق الفلسطيني ولو في حده الأدنى.

 

كل ذلك يمكن تحمله رغم قساوته وشدته لو أن الفلسطينيين حافظوا على وحدتهم ووحدة موقفهم من حقوقهم وثوابتهم، لأنهم الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في أي حل أو رؤية لمستقبل القضية الفلسطينية والوجود الصهيوني في القلب من المنطقة العربية والإسلامية، وهم القادرون دون غيرهم على أن يكونوا الصخرة الصماء التي تتحطم عليها كل المؤامرات الإقليمية والدولية، كما وكل أمنيات القيادات التي تخلت عن مبادئها وقيمها لصالح مصالحها وشهواتها السلطوية والمالية على حد سواء.

 

واقع الفلسطينيين خصوصا القيادات الرسمية منهم لا يوحي مطلقا بأنهم يسيرون في طريق الحفاظ على وحدتهم ووحدة موقفهم من حقوق شعبهم وأمتهم في أرضهم ومقدساتهم والحياة الإنسانية الكريمة, بل على العكس من ذلك تماما حيث تقود ممارساتهم القولية والفعلية إلى مزيد من التشظي والتفتيت في الموقف الفلسطيني تجاه المؤامرات التي تحاك ضد فلسطين وشعبها، حيث بدأت هذه الممارسات بالتخلي عن ثوابت الإجماع الفلسطيني والتي كانت السبب في وصولهم إلى مواقعهم من المسئولية والقيادة، مثل حقنا في فلسطين الكاملة من النهر إلى البحر، ورؤيتنا  الكيان الصهيوني ككيان معتد وغاصب للأرض والحقوق، وطريقنا الوحيد لاستعادة حقوقنا وأرضنا هو الكفاح المسلح, اعتمادا على تجارب الشعوب والسنن التاريخية, وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وأنه لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع الكيان الصهيوني كما جاء في لاءات مؤتمر الخرطوم الشهير، وصولا إلى التخوين والاقتتال وسفك الدم الفلسطيني على مذبح الاختلاف في الرؤى والمواقف.

 

وليس اقل خطرا من ذلك بل أكثر بكثير استخفاف القيادات والمسئولين بعقول أبناء الشعب الفلسطيني، وكأنهم يتعاملون مع قطيع لا يفهم ولا يفقه، حيث توقف وانتهى الفهم والفقه عند حدود عقولهم، وإلا كيف يمكننا أن نفسر استمرار البعض في المراهنة على الحل السلمي والتفاوض مع الكيان الصهيوني رغم الفشل في تحقيق أي من الأهداف المرسومة بعد مضي خمسة وعشرين عاما من السير عليه، بل أدى إلى مزيد من الضياع للأرض والحقوق الفلسطينية، مقابل مزيد من التغول والعلو وللكيان الصهيوني، أو كيف يمكننا فهم وتفسير سيل التصريحات من هذا الطرف أو ذاك عن الوحدة والمصالحة والشراكة الوطنية والشراكة السياسية ، ودعم صمود أبناء الشعب ............الخ من هذه التصريحات الرنانة ، فيما الأفعال والممارسات على الأرض تعاكس ذلك تماما باتجاه التفرد والإلغاء وشطب الآخر وهو ما يفضي إلى مزيد من التشظي والتفتيت والصراع والبؤس والفقر والإنهاك للمواطن الفلسطيني، أو كيف نفسر مطالبة القيادات الفلسطينية للدول العربية والإسلامية والصديقة بعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني ووقف التعامل معه ومقاطعته, ثم هي تمارس التطبيع معه وإقامة العلاقات في كافة المناحي وصولا إلى أخطرها والمتمثل بالتنسيق الأمني لما يترتب عليه من اعتقال أو إعدام للمجاهدين والمقاومين ؟ أو كيف نفسر التصريحات المتناقضة التي تصدر عن هذا المسؤول أو ذاك ، عندما يصرح بتصريح ما وبعد أسبوع أو أقل يصرح بتصريحات معاكسة تماما لما سبق أن صرح به ؟

 

الأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المجال ، وتؤكد في مجملها مدى استخفاف القيادات والمسئولين بعقول أبناء الشعب الفلسطيني، وهذا ما نرفضه ويرفضه الواقع الذي أصبح فيه العالم كقرية صغيرة لا يمكن لأحد أن يخفي فيها شيئا، و أن يستمر في خداعه ومجانبة الحقيقة والصراحة، ونطالب بأعلى صوتنا المسؤولين والقيادات على اختلاف مسمياتها ونصرخ فيهم أن ارحموا عقولنا، ارحموها بالتخلي عن مجانبة الصدق والحقيقة والتصريحات المتناقضة، ارحموها بالسماع والإنصات لشكواها وهمومها، حتى يكون الشعب عونا لكم كما أنتم له، من أجل الوصول إلى تحقيق الأهداف المنشودة من الحرية والاستقلال.

التعليقات : 0

إضافة تعليق