مصطفى أبو السعود
انطلاقا من قاعدة (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ) التي ذكرها القرآن الكريم على لسان فرعون حين طلب من قومه تفويضه للقيام بالمزيد من الجرائم ضد زعيم المعارضة في ذلك الوقت سيدنا موسى عليه السلام، بحجة ( إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) انبرى الطغاة على مر العصور لاقتفاء اثر ( كبيرهم الذي علمهم السحر) وتنفيذ سياساته القمعية تجاه معارضيهم، ومن لا يرى فيه آلهة، وهذا يؤكد أن الطغاة (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) .
من حيث المبدأ لا مانع من تفويض الشعب للحاكم إن كان يسعى للخير ، كما جاء على لسان سيدنا شعيب عليه السلام (إنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) بعدما قال لهم (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فيهم الْأَرْضِ مُفْسِدِين) فهذا من علامات حب الراعي لرعيته ورغبته في خدمتهم، بينما لو انتهج الحاكم نهج فرعون بأنه (ذروني اقتل موسى ) لماذا يا سيادة الفرعون ؟ (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) فهذا أمر مرفوض جملةً وتفصيلا.
ففي حالتنا العربية فقد طلب أحد فراعنة العصر العربي التفويض من عبيده كي يقتل ويسجن ويسحل ويعذب معارضيه بحجة المحافظة على الأمن القومي وهيبة الدولة، وليس كي يحرر القدس من مغتصبها، فانتقلت حمى طلب التفويض لتصل إلى تفويض رئيس السلطة باعتباره كما يرى مريدوه حامي الحمى.
ولو افترضنا أننا سنفوض عباس على ما هو قادم ، وعلى ما يدعيه أنه يخوض معركة حامية الوطيس مع أعداء الداخل والخارج، فبماذا سيجيب لو طلبنا منه كشف حساب عن خمسة وعشرين عاما ضاعت من عمر القضية بلا فوائد ؟
سيقول البعض إن انجازات عباس واضحة ولا ينكرها إلا جاحد، فهو استطاع الحصول على عضوية لفلسطين في كثير من المنظمات الدولية، أقول له: ما فائدة الانضمام لهذه المؤسسات إن لم تستطع أن تزيل حاجزاً صهيونياً من مكانه ، أو تخرج أسيراً من أسره، أو توقف زحف المستوطنات، أو ترجع متراً واحداً من أرضك التي أخذها عدوك منك عنوة ؟
إذن علامَ نفوضك ؟ إن كان لا بد من التفويض ، فإني أفوضك على تحرير أرضي من العدو وليس تسليمها له، وعلى تقوية المقاومة وليس على تقويضها، وعلى رفع الحصار عن غزة وليس تقويته، وعلى إعادة الهيبة للقضية الفلسطينية بعدما نزلت بفضل جهودك من أولى اهتمامات العالم إلى آخر القضايا، وعلى أن تترجم غضبك اللفظي إلى غضبٍ عملي حين تدنس المقدسات ويعترف ترامب للصهاينة بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني، وليس أن يتمعر وجهك على غزة فقط وتتذرع بمسرحية فاشلة أنت ممولها كي تهرب من المصالحة.


التعليقات : 0