الأسير د.محمد عرندس
قد يعتقد البعض أن مسيرة المقاوم الفلسطيني تنتهي فور اعتقاله مع أنه في حقيقة الأمر ينتقل الي حالة جديدة من المقاومة أشد ضراوة يكون فيها الطرف الأضعف بامتياز، فهو لا يملك أي وسيلة للمقاومة سوى ارادته وفي كثير من الأحيان جوعه، والذي يعاني خلاله آلام الجوع وقد يصاب كثير من الأسرى خلال اضرابهم عن الطعام ببعض الأمراض مثل الفشل الكلوي أو تساقط الشعر أو الأسنان إلى غير ذلك من الحالات المرضية.
لكن ما حدث مع عماد « حالة غريبة ؛ إذ فقد صوته !! «عماد» شاب فلسطيني مقاوم وهو محكوم بالسجن المؤبد بتهمة قتل جندي صهيوني ويعتبر من السباقين لأي خطوة نضالية ضد إدارة السجون الاسرائيلية , والتي آخرها اضراب الكرامة سنة 2017 والذي يعتبر أطول اضراب جماعي في تاريخ الحركة الأسيرة إذ استمر 42 يوماً متواصلاً.
التقيت معه في سيارة البوسطة – السيارة الخاصة بنقل الأسرى الفلسطينيين- وكنا نحن الوحيدين فيها فقد تم إحضار طواقم طبية من وزارة الصحة الاسرائيلية لمتابعة أحوال الأسرى المضربين وهم أقل إجراماً من أطباء مصلحة السجون، ونتيجة لوضعي الصحي المتدهور قرروا نقلي إلى مستشفى «برزلاي» في مدينة عسقلان المحتلة – وقد تفاجأت عند كلامي مع « عماد» بعدم إجابته لي ومن إشاراته فهمت أنه فقد المقدرة على النطق إذ أنه أصيب بالتهاب في الحنجرة، فساومه أطباء – أو جزارو – إدارة السجون على فك إضرابه مقابل أخذه للدواء، ولكن هذه الوسيلة – التي لا تنطلي على الأسرى الفلسطينيين بالطبع لن تنطلي على عماد فكانت النتيجة أنه فقد صوته.
أشد لحظات الإضراب قساوة كانت عندما سمعنا بوادر انتهائه , توجه إليً « عماد» قائلاً : أنه لن يفك اضرابه إلا بعدما يتم علاجه، قال ذلك لأنه يعلم بأنه سيكون فريسة للإهمال الطبي المعهود على ادارة السجون الاسرائيلية , وكاد أن يبكيني عندما قال لي كتابة – إذ أنه استطاع الحصول على ورقة وقلم من أحد طواقم الصليب الأحمر – قال : لا أستطيع الرجوع إلى السجن وأنا لا أستطيع الكلام مع أهلي!
تعهدت له بألا أدخر جهدا في مساندته , ولكني نصحته بألا يستمر بالإضراب فوضعه الصحي لا يسمح له بذلك , ولمعرفتي بأن إدارة السجون الصهيونية لا تستجيب للإضرابات الفردية .
بعد 42 يوماً انتهى الإضراب ولم يستمر «عماد» بالإضراب وبالفعل كما كان يتوقع وقع فريسة للإهمال الطبي وقد التقيت به بعد شهرين من الإضراب وإذ به يحمل «نوتة» في يده فالقلم أصبح لسانه حتى لغة الإشارة لم يكن يجيدها لقد فقد «عماد» صوته ولكنه لم يفقد عنفوانه وإرادته في مواجهة السجان، وكنت دائم السؤال عن وضعه الصحي فهو يجسد تجربة حية لخطايا وجرائم الاحتلال، بالإضافة أننا كنا شركاء المعاناة إذ كنا – رغم أجسادنا النحيلة والضعيفة – هو بنظراته التي يخرج منها الشرر حقداً على السجان , وأنا بصوتي الخافت نحارب صلفهم وجبروتهم .
بعد مرور سنة تقريبا- على انتهاء اضراب الكرامة إذ بي أسمع بعض الأسرى يتحدثون عن «عماد» , ورغم أنني أكره التطفل لم أملك نفسي من السؤال عنه قالوا «عماد» رجع يحكي .
لقد أرادوا أن يسكتوا صوته كما كل صوت مقاوم ولكن إرادة «عماد» انتصرت عليهم وكما استطاع «عماد» أن يصرخ بنظراته عندما فقد صوته فنحن نستطيع أن نصرخ ونثور ضد كل من يريد سلب حريتنا ..حقوقنا .. كرامتنا .. وطننا.


التعليقات : 0