عامر خليل
انتهى عرض الجزء الثاني من المسلسل التلفزيوني الإسرائيلي «فوضى» بحلقاته الاثنتي عشرة، والذي قامت شركة Netflix الأمريكية بشراء حقوق بثه ما يعني أن المسلسل كان متاحا للمشاهدين المشتركين في هذه الخدمة في حوالي 130 دولة، وقد بُث أول جزء منه في بداية عام 2015، وهو من تأليف الصحفي الإسرائيلي آفي يسخاروف والممثل الإسرائيلي ليئور راز، ويحكي المسلسل قصة مجموعة من المستعربين الإسرائيليين اثناء عملهم ضد المقاومة الفلسطينية، ورغم اشارة مقدمة المسلسل الى ان احداثه متخيلة الا أنها تلامس أفعالا اجرامية للمستعربين واخرى مختلقة تخدم الدعاية الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته امام العالم.
شاهدت جميع حلقات الجزء الثاني من المسلسل والذي يمكن تصنيفه بأداة غير مسبوقة في العمل الدرامي التلفزيوني في محاولة تكريس الرواية الاسرائيلية للصراع مع دولة الاحتلال ليس فقط لدى الجمهور الاسرائيلي بل امام المشاهدين في جميع انحاء العالم فقد اعتاد الفلسطيني على منهجية واضحة في الاعلام الاسرائيلي لتشويه صورته والتأكيد على نمطية الرؤية التي تؤكد ان الفلسطيني ليس انسانا وهو اقرب في مواجهته للاحتلال بغير البشر وساد الشعار العنصري المعروف نتيجة لهذه الثقافة التي يتشربها الاسرائيلي منذ نعومة اظافره بان «العربي الجيد هو العربي الميت».
يلعب المستعربون دورا مهما في محاولة اطفاء جذوة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني من خلال مشاركتهم في العديد من عمليات الاعتقال والقتل وهم يتشبهون في ملبسهم وصورتهم ولهجتهم العربية بالفلسطيني يستبيحون كل شيء بغير وازع اخلاقي او قانوني من اجل تنفيذ مهامهم الاجرامية في ملاحقة المقاومين ونشطاء الانتفاضات والهبات الجماهيرية وقد كانت قصة اعتقال عمر الكسواني رئيس مجلس طلبة جامعة بير زيت مؤشرا على ذلك عندما تخفوا في صورة طاقم صحفي واقتحموا الجامعة وصولا الى مكان جلوس الكسواني في احد ساحات الجامعة ومن ثم اشهار المسدس عليه واعتقاله وتهديد الطلاب بمسدساتهم حتى لا يتدخلوا لانقاذه ووقع هذا المشهد وسط الجامعة في وقت انتظرتهم قوة من جيش الاحتلال على ابواب الجامعة.
حاول مسلسل «فوضى» في جزئه الثاني اضفاء بعد انساني واخلاقي على عمل المستعربين وفي المقابل تشويه الفلسطيني المقاوم واظهار دوره فقط في قتل الاسرائيلي والفرح لقتله والتهليل لذلك ثم تشويه صورته في علاقاته مع محيطه القريب في ظل الصراع القائم بالجنوح نحو الاعتراف وانتزاع المعلومات منه التي توصل الى المقاومين بل واسقاطه واظهاره كخائن او عميل، وقد اكثر المسلسل من تصوير اكثر من قصة تحت هذا العنوان بدا في بعضها مبتذلا واقرب الى الخيال.
المستعرب القاتل والمجرم اراد المسلسل اخراجه بصورة انسان ومن هنا التركيز على البعد الاسري والاجتماعي في حياته الخاصة من خلال علاقاته مع ابنائه وزوجته والمحيط القريب منه وابراز العلاقة الوثيقة بين مجموعة المستعربين التي تشاهد في مناسبات غير عمليات الملاحقة بل اثناء حفلات او رحلات يقومون بها بشكل مشترك ويتبادلون فيها اطراف الحديث والغناء وتناول الطعام وايضا التركيز على العلاقات الحب والغرام بين مستعربة عضو في المجموعة وزوجات وشقيقات الاعضاء الاخرين ففي كل حلقة يأتي فوضى على جانب من هذه العلاقات في هدف واضح وهو التركيز على انسنة المستعرب بشكل خاص والاسرائيلي بشكل عام فهو ليس ما يظهر في وسائل الاعلام عندما يقتل طفلا او يتصدى لمتظاهرين ويضربهم ويطلق عليهم الرصاص وهي الصورة التي اخذت تتبدى بشكل واسع في السنوات الاخيرة عن دولة الكيان الاسرائيلي وفضحت دعايتها التي تحاول ان تبرز الاسرائيلي انسانا في مواجهة الفلسطيني الذي يقتله.
الاهم في سياق هذا المسلسل الذي تدور احداثه المتخيلة في الضفة المحتلة وخاصة في قلب مدينة نابلس هو توظيف ظاهرة «داعش» في المسلسل التي تأخذ بعدا سلبيا لدى المشاهد الغربي بمجرد سماعها فهو اقحمها في احداث المسلسل من باب خلاف قائم داخل إحدى حركات المقاومة ادت الى انفصال شخصية قيادية كي تعمل مع «داعش» وقد جعل مخرج المسلسل كل عمليات المقاومة تنفذ من قبل «داعش» بما فيها عمليات خطف قتل فيها والد احد اعضاء مجموعة المستعربين «دورون» بالطريقة التي نفذت فيها «داعش» عمليات قتل في اماكن مختلفة من العالم باللباس البرتقالي وذبحا بالسكين، ولا جدال في ان رسالة المسلسل في هذا الصدد قد تركت اثرها لدى المشاهد الغربي رغم ان «داعش» لا تنشط في فلسطين المحتلة ولا تنفذ عمليات ضد الاحتلال.
في ثنايا احداث المسلسل خلال تنفيذ عمليات الملاحقة التي تقوم بها مجموعة المستعربين اراد المخرج التأكيد على شجاعتهم وتداعيهم من اجل تنفيذ عمليات اعتقال او انقاذ احد افراد المجموعة عندما ينكشف امام الفلسطيني واظهار بطولاتهم وقدراتهم الخارقة والسهولة التي يقومون بها بالاعتقال والملاحقة وافشال العمليات والحصول على المعلومات وفي المقابل تتبدى الصورة الاخرى في محاولة اظهار ضعف المقاومة واعتقال افرادها والصراعات الداخلية واقحام اجزاء مختلقة لتشويهها وترسيم صورة سلبية عنها.
مسلسل «فوضى» ينتقل في الجهد الاسرائيلي الدعائي رغم انه عمل خاص الى مرحلة اخرى في المعركة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال واذا كانت هناك ادوات مباشرة في نقل الرواية الاسرائيلية من خلال الفضائيات الاسرائيلية الناطقة بالعربية والانجليزية او وسائل التواصل الاجتماعي فانه يتعدى ذلك الى الجمهور الاوسع في العالم واذا كانت بعض افلام «هوليود الامريكية» تضمنت مقاطع تشوه العربي والفلسطيني فان «فوضى» يشكل معركة متقدمة لعمل متكامل يجعل الاسرائيلي الحضاري الانساني مقابل الفلسطيني الوحشي القاتل دون التفات او اشارة الى طبيعة الصراع مع الاحتلال وممارساته الاجرامية اليومية ضد الفلسطيني وهو يقتحم بيته ويعزله وينكل به على الحواجز ويهدم بيته ويقتله بدم بارد ولا يخجل من اعتقال الاطفال وتعذيبهم واستخدام الكلاب في ارهابهم.


التعليقات : 0