بقلم: تيسير الغوطي
المتتبع للتصريحات الأمريكية على كافة المستويات خاصة التنفيذية منها (الرئيس والوزراء ) لن يجد صعوبة في إثبات وتأكيد أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر قوة تمارس الدجل والظلم على وجه الأرض, عبر ازدواجية المعايير التي تنتهجها في التعامل مع الشعوب والأحداث والحكام على امتداد الكرة الأرضية، ناهيك عن كذبة حقوق الإنسان والديمقراطية والدفاع عنها.
الأمثلة كثيرة وأكثر من أن تحصى فمثلا في العقد الماضي أباحت لنفسها قصف واحتلال العراق وتدمير جيشه تحت ذريعة امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل من كيماوية ونووية ، لتبين بعد ذلك وعلى لسان مسؤوليها وفي مقدمتهم وزير الخارجية في حينه كولن باول عدم صحة ذلك، وأن هذا الموقف بني على تقارير استخباراتية غير صحيحة، وبعد ظهور تنظيم داعش وتمدده في العراق وسوريا في السنوات الأخيرة تتقدم أمريكا لمحاربته وتشكل تحالفا دوليا من عدد كبير من الدول العربية والأجنبية بقيادتها لتنفيذ تلك المهمة, ليتبين بعد ذلك وعلى لسان الرئيس الأمريكي ترامب بأن الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة أوباما هي التي صنعت تنظيم داعش .
وفيما يخص الكيان الصهيوني وممارساته القمعية والإجرامية بحق الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته، وتصريحات قادته العنصرية والاستكبارية بحق الفلسطينيين، أو المجازر التي ارتكبها هؤلاء القادة بدءا بمجزرة دير ياسين 1948 وليس انتهاء بمجزرة رفح 2014 مرورا بعشرات بل مئات المجازر التي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين الأبرياء أو الأسرى المعتقلين الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين... الخ من أبناء العروبة وإخوة الدم والعقيدة والوطن والانتماء ، فكل هذه الجرائم لا تراها العين الأمريكية التي تصاب بالعمى حين يكون الفاعل صهيونيا مجرما ، فيما تفوق قدرتها على الرؤية قدرات أشعة الليزر حينما يكون الفاعل أو المتهم بالفعل من الجبهة المناوئة لواشنطن ولاستكبارها وظلمها .
أما الازدواجية في الموقف من عملية السلام في الشرق الأوسط فحدث ولا حرج, ففي الوقت الذي يعلن الرئيس ترامب رغبته وتعهده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وما يعنيه ذلك من اعتراف بالقدس كعاصمة لدولة الكيان الصهيوني, ويعطي ضوءاً أخضر لحكومة الكيان الصهيوني اليمينية للتوسع في الاستيطان وبناء المستوطنات على أراضي الضفة الغربية والقدس, الأمر الذي يحقق الرغبات والتطلعات الصهيونية, نرى تصريحات مغايرة على الجهة المضادة مثل حق الفلسطينيين في تقرير المصير, ورغبة جادة لدى الرئيس ترامب في حل تاريخي للصراع في الشرق الأوسط ......إلخ من مثل هذه التصريحات الفضفاضة الغير محددة, والتي تشكل إبر تخدير للقادة والزعماء العرب بما فيهم الفلسطينيون, وورقة توت يستخدمها أولئك الزعماء لتغطية عجزهم وتبرير انسياقهم وراء الدخول في الحلف العربي الصهيوني الذي تسعى إليه واشنطن, ويحقق أهدافها السياسية في حماية الكيان الصهيوني وتحقيق القبول العربي به والتطبيع معه, كما وأهدافها الاقتصادية في الاستحواذ على مئات المليارات العربية اللازمة لدفع عجلة الاقتصاد الأمريكي وتوفير مئات آلاف الوظائف وفرص العمل, وذلك عبر صفقات الأسلحة المليارية للدول الخليجية خاصة السعودية والإمارات, وفي هذا السياق تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس ترامب للمنطقة أواخر الشهر الحالي, وعقد القمم المختلفة سواء مع القيادة الفلسطينية في رام الله, أو الخليجية في الرياض, أو ما هو أوسع من ذلك بكثير حيث يتوقع عقد قمة إسلامية أمريكية برئاسة ترامب وحضور أكثر من 16زعيماً عربياً في السعودية التي تولت توجيه الدعوات إليه لطرح القضية الفلسطينية.
وفي مجال حقوق الإنسان تراها تقيم الدنيا ولا تقعدها إذا ما ارتكب خرق في بعض الدول التي تعتبرها في الجهة المعادية مثل فنزويلا وكوريا الشمالية وإيران .. الخ ، فيما تغمض عينيها إذا ما ارتكبت تلك الخروقات في الدول التي تعتبرها ضمن حلفها مثل الكيان الصهيوني وأوكرانيا وبعض الدول العربية، وما يقال عن حقوق الإنسان يقال أيضا عن حق الدول في الدفاع عن نفسها وإنتاج وصناعة الأسلحة التي تدافع بها عن نفسها وشعوبها من الأعداء والاعتداءات الخارجية، ففي الوقت التي تغمض عينيها عن الأسلحة النووية في دولة الكيان الصهيوني بل ولا تتحدث ببنت شفة عن عدم توقيع هذا الكيان على اتفاقية حظر الأسلحة النووية، بل تقف مؤيدة له بإحباط كل المشاريع والقرارات الدولية التي تحاول الاقتراب من المشروع النووي الصهيوني، تراها تستنفر كل قواها وقوى الدول الحليفة والصديقة لها ضد دول أخرى خارج حلفها ودائرتها إذا ما فكرت في الأنشطة والتكنولوجيا النووية مثل كوريا وإيران رغم تكرار بعضها ( إيران ) صباح مساء أن أنشطتها النووية للأغراض السلمية ، ولا تطمح ولا تسعى لإنتاج الأسلحة النووية.
وفي اتخاذ المواقف من بعض الدول أو القضايا تظهر الازدواجية البغيضة في أبشع صورها والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى الغطرسة والاستكبار والظلم الأمريكي, وفي نفس الوقت قتامة الغشاوة على بصر وبصيرة وقلوب الذين يصدقون الولايات المتحدة ويثقون بها، سواء كان ذلك قناعة بها أو تبعية وعمالة لها، فمثلا في الموقف من إيران نرى وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس وأثناء زيارته للسعودية قبل أيام يهاجم إيران باعتبارها تعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة وأن بلاده ستتصدى لها ولجهودها وتحول دون نجاحها ، وفي الوقت نفسه ولكن في مكان آخر (الكونغرس الأمريكي) حيث لا مجال للكذب وإخفاء الحقيقة أو الالتفاف عليها يقول وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيرلسون في رسالته إلى زعيم الكونغرس " إن الإدارة الأمريكية بصدد إجراء مراجعة لمعرفة ما إذا كان رفع العقوبات عن إيران يصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي "!! ، ويؤكد في هذه الرسالة " أن إيران لا تزال ملتزمة بالاتفاق النووي وبنوده والذي جرى التوصل إليه عام 2015" ، وهذا يمثل ليس تضادا لموقف وزير الدفاع الأمريكي في السعودية ، بل وتراجعا أمريكيا عن كل التهديدات التي صدرت عن الرئيس الأمريكي ترامب أثناء حملته الانتخابية وبعدها بإلغاء الاتفاق النووي باعتباره اتفاقا سيئا ، وفرض مزيدا من العقوبات على إيران.
المشكلة لا تكمن في هذه التناقضات والازدواجية الأمريكية ، لأن الإدارة الأمريكية تهتم بمصالحها المقدمة على كل شيء وعلى استعداد لاتخاذ المواقف المتضادة إذا كان ذلك يحقق مصالحها ويرضي البعض ولو شكليا ليسير في الركب الأمريكي بما يحقق مصالح أمريكا، لكن المشكلة تكمن في أولئك (خاصة الزعماء العرب ) الذين يصدقون أمريكا وقادتها ، ويسيرون خلفها مغمضي الأعين وقلوبهم ولو على حساب شعوبهم وأمتهم وكرامتهم.
إن على الجميع أن يكون أكثر وعيا وحذرا من المواقف والقرارات الأمريكية لما تصطبغ به من ازدواجية مقيتة ، وأن يتخذ موقفه منها تبعا لمصالح شعبه، وأمته وما يحفظ عليهم حقوقهم وكرامتهم حتى لا يفيقوا عندما لا ينفع الندم ويصبح لسان حالهم "هذا جزاء من يصدق أمريكا" في تكرار مأساوي لما قاله الشريف حسين في منفاه " هذا جزاء من يصدق وعود بريطانيا "


التعليقات : 0