ثابت العمور
حط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمملكة العربية السعودية، ويتوقع أن تشهد زيارته للملكة عقد قمة عربية إسلامية شاملة كاملة، وتعد هذه الزيارة الأولى لترامب خارج الولايات المتحدة الأمريكية في المائة يوم الأولى من توليه الرئاسة، لن أتوقف عند توقيت الزيارة ودلالاتها وتبعاتها وحيثياتها فهذا شأن بات عاما، ومتعارفاً عليه ، الجديد هو الهمز واللمز عن مبادرة خليجية للتطبيع مع الكيان الصهيوني وتقول التسريبات إن المبادرة تقبل بالتطبيع مقابل تجميد الاستيطان وربما ما هو دون ذلك أيضا، والأمر ليس سريا فقد تعرض له كتاب وباحثون كثر كان أبرزهم مساعد وزير الخارجية المصرية الأسبق سيد قاسم المصري.الذي كتب في صحيفة الشروق المصرية يوم 19 مايو الحالي يقول: "وأخشى ما أخشاه أن تكون هذه الفرقعة على حساب العرب – الهنود الحمر الجدد – ففى الذكرى السبعين للنكبة الكبرى التي حلت بالعرب في فلسطين يتم تداول أخبار عن فلسطين لا تبشر بالخير، منها ما نشرته جريدة "وول ستريت جورنال" الأمريكية حول مبادرة خليجية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل تجميد "وليس وقف" الاستيطان في الضفة وتخفيف "وليس رفع" الحصار على غزة.
ما الذي يمكن ان تقدمه إسرائيل لدول الخليج؟، وما الدوافع التي تجعل دول الخليج تهرول للتطبيع مع إسرائيل؟، وهل من مقتضيات ذلك القفز على القضية الفلسطينية؟، هذه ليست علاقات دولية او ثنائية او اقليمية بقدر ما هي استجداء من طرف عربي خليجي يفترض ان لديه كل مقومات القوة المادية والبشرية، لكنه يطلب الود الصهيوني على مذبح القضية الفلسطينية ويقدم أرضها قربانا لإسرائيل.
التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج ليس وليد اللحظة التي تحط بها طائرة ترامب، ولم تكن المبادرة إعلانا وإيذانا ببدئه. التطبيع قديم وموغل وشامل ولم تسلم منه عاصمة خليجية واحدة، لكنه كان سريا يمر من تحت الطاولة ويحدث بعيدا عن الأضواء في العواصم الأوروبية، ويقتضي ان يحمل قادة الكيان الصهيوني جنسيات أخرى اذا ما أرادوا الإقامة والاستثمار في عواصم الخليج، بل ربما عمل ضباط الجيش الإسرائيلي كمستشارين أمنيين وعسكريين في هذه الدول وعلى مقربة من صناع القرار فيها، بجنسيات تارة ألمانية وأخرى استرالية أو سويدية لا يهم ، بالمناسبة يعلم جيدا صناع القرار ان هؤلاء ضباط موساد تقاعدوا، وحتى لا يشعروا بالملل تتم استضافتهم في عواصم الخليج للاستثمار الأمني والاقتصادي الاستخباراتي، ولا يهم طالما انهم يحملون جنسيات أخرى، في احد المرات حطت طائرة سعودية في مطار بن غيريون وعندما اكتشف الأمر كان التبرير ان الطائرة مستأجرة من إحدى الشركات وليست طائرة سعودية تتبع الخطوط الملكية..!
لم تقدم دول الخليج المبادرة الثانية من أجل التطبيع او التبادل التجاري او استقدام خبراء صهاينة لعواصمهم، عمليا تم تجاوز هذا الأمر حتى تفاصيل افتتاح السفارات ومكاتب التمثيل تم تجاوزها وبحثها، الجديد ان المبادرة تحمل تفاصيل غاية في الدقة، المبادرة التي بحثتها عواصم الخليج تتضمن إقامة علاقات سلكية ولا سلكية مباشرة مع الكيان الصهيوني، ومنح الطائرات الإسرائيلية حق الطيران عبر أجواء الدول الخليجية، وهنا أتوقف لأقول أن "إسرائيل" لا تحتاج لإذن لتمر طائراتها قبل سنوات اخترقت الطائرات الحربية الإسرائيلية الأجواء المصرية والسعودية ومياه البحر الأحمر وقامت بقصف دولة شقيقة هي السودان، كذلك تتضمن وثيقة المبادرة الخليجية المعروضة على الكيان رفع القيود على كل أشكال التجارة مع "إسرائيل"، ومنح تأشيرات لرياضيين ورجال اعمل إسرائيليين دون أن يضطروا لتغيير جنسياتهم، في المقابل فإن المطلوب من إسرائيل هو أن تحرك عملية "السلام".
هل الوقائع على الأرض تسمح بدفع عملية "السلام"؟، وهل دول الخليج معنية بالسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل هل كانت يوما طرفا في أية تسوية؟،ما هي دوافع دول الخليج في الإصرار على التطبيع وإقامة علاقات كاملة شاملة مع إسرائيل؟، وهل تقتضي الخشية من البعبع الإيراني تقديم القضية الفلسطينية كسلم أو كفدية من أجل التطبيع؟، ألم يكن ممكنا أن يكون التطبيع وتمريره دون المرور على ركام القضية الفلسطينية. وإذا كانت إيران بعبعا هل يقتضي ذلك أن يهمس احد المنخرطين في مباحثات المبادرة قائلا " لم نعد نرى إسرائيل عدوا بل فرصة محتملة". ألم يكن ممكنا دعم القضية الفلسطينية ومكوناتها مثلا ومقاومتها بدلا من الاستقواء بإسرائيل؟! والانبطاح عبر بوابة التطبيع أمام كل مطالبها وشروطها حتى بتنا نستجديها أن تقبل بإقامة علاقات معنا. ونقبل برفع مستويات تبادل المعلومات الاستخباراتية معها.
لدول الخليج الحق في صناعة العلاقات التي تريد مع من تريد كيفما تريد ، ولكن لم تعد هناك وصاية عربية أو خليجية على القضية الفلسطينية، ولم يعد ممكنا المرور لتل ابيب عبر البوابة الفلسطينية، وهذه المعادلة على جميع الأطراف أن تدركها وتعلمها جيدا، لأننا على مدار ربع قرن جربنا كلا الأمرين مُر التسوية ونفقها وما نتج عنها وقبل ذلك جربنا على مدار نصف قرن الرهان على الحصان العربي من اجل مساندة ودعم القضية الفلسطينية، وبعد 69 عاماً من النكبة بتنا نستجدي فتح معبر هنا والاعتراف بالجواز الفلسطيني هناك، ونتسول الإقامة في بلاد العرب، حتى الدول الرافضة للتطبيع ترفضه لمصالح خاصة بها لا وقوفا مع الفلسطيني الذي ترفض منحه تأشيرة لدخولها والمرور إليها.لكنها تقبل بوصايتها لإيجاد حلا للقضية الفلسطينية وأي حل؟!


التعليقات : 0