مسيرة العودة والمتربصون بها... تيسير الغوطي

مسيرة العودة والمتربصون بها... تيسير الغوطي
أقلام وآراء

بقلم: تيسير الغوطي

تثبت مسيرة العودة السلمية تجاه الحدود المصطنعة على الأرض الفلسطينية أن الشعب الفلسطيني  قادر على ابداع الاشكال المختلفة من المقاومة للظلم والعدوان الصهيوأمريكي الاجرامي، كما التخاذل ومحاولات الطعن الخلفية من بني الجلدة مسلمين وعرباً وفلسطينيين، وككل اشكال المقاومة هناك من يؤيدها وهناك من يعارضها، وهذا أمر طبيعي لاختلاف البشر في الرؤية والتحليل والاهداف، وهو مقبول اذا كان الهدف من ذلك هو الحرص على مصلحة الشعب الفلسطيني والبحث عن أقصر الطرق لتحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال والعودة الى الديار، ومرفوض تماما اذا كان الهدف غير ذلك سواء كان عمالة للكيان الصهيوني لتحقيق أهدافه ومصالحه وسياساته مقابل منافع شخصية كما هو حال العملاء والطابور الخامس في المجتمع الفلسطيني، أو كانت تلك المعارضة نابعة من بغض البعض الفلسطيني للبعض الآخر خاصة قوى المقاومة والسلطة الحاكمة في قطاع غزة، والخوف من تحقيق هذه القوى لانتصار يثبت مواقعها وقيادتها للعمل الوطني الفلسطيني نحو العودة والحرية والاستقلال ، او كانت تلك المعارضة نابعة من الحرص على الحفاظ على مصالحه وامتيازاته الخاصة كالمنصب والمرتب والوظيفة من أن تنالها يد،  وقرار سلطة رام الله التي تتحكم في ذلك.

 

  أزعم - وغيري كثير- أن مسيرة العودة والحراك الشعبي الفلسطيني يحققان مجموعة من الفوائد والإنجازات لصالح الطرف الفلسطيني في صراعه الطويل مع الكيان الصهيوني ، ومنها إعادة الاعتبار للفعل الشعبي الجماهيري والتأكيد على أنه القادر على إفشال كل مخططات الأعداء لتصفية القضية الفلسطينية لصالح الرؤية والأجندة الصهيونية، ومنها تحقيق أحد أشكال الوحدة الفلسطينية  بعدما فشلت القيادات الرسمية والفصائلية في تحقيق هذه الوحدة رغم عشرات الاتفاقيات ومئات اللقاءات داخليا وخارجيا على مدى سنوات الانقسام البغيض، ومنها أن هذا الحراك أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية وأرغم الجميع على تصدرها المشهد واستحواذها على اهتمام الرأي العام الدولي والإقليمي والمحلي، بعدما تراجعت لصالح عناوين أخرى وهمية، ومنها كذلك كشف المتخاذلين والمتساقطين من الفلسطينيين والعرب والمسلمين الذين يتباكون على الشعب الفلسطيني وعلى قضيته ومشروعه الوطني ، ولكنهم عند لحظة الحقيقة والصدام مع المشروع الصهيوني يتراجعون حفاظا على مواقعهم ومناصبهم وامتيازاتهم المادية والمعنوية على حد سواء، ومنها وهو الأهم استنزاف الكيان الصهيوني ماديا ومعنويا، وإرغامه على دفع ثمن احتلاله للأرض الفلسطينية واغتصابه للحقوق والمقدسات، وهذا هو السبيل الوحيد لإرغام الكيان الصهيوني على التراجع عن ظلمه واستكباره واحتلاله، شانه في ذلك شأن كل الاحتلالات العسكرية على مدار التاريخ وفي كافة الأماكن، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى ويكفي التذكير بمثالي فيتنام والاستعمار الأمريكي, والجزائر والاستعمار الفرنسي.

 

إن الاحتلال الصهيوني لا يتحمل استنزافا طويل الأمد وصداما مع الشعب والجماهير لان ذلك يخالف عقيدته العسكرية التي تقوم على الحرب الخاطفة والقصيرة وبعيدا عن جبهته الداخلية، وثانيا لأن الصهاينة الغرباء عن هذه الأرض وتاريخها وحضارتها يحبون الحياة ويكرهون الموت حتى لو كانت حياة الذلة والمهانة، وسيغادرونها عندما تتعرض حياتهم للخطر، ولعل في مغادرة معظم سكان مستوطنات غلاف غزة منذ اللحظات الأولى لمسيرة العودة خير دليل على ذلك.

 

المتضررون من مسيرة العودة والحراك الشعبي وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني سيلجأون الى أساليب شتى لإجهاضها ووقفها ومنع تمددها، مستخدمين السياسة القديمة الجديدة، سياسة العصا والجزرة، العصا بالقمع والقتل والتهديد صباح مساء بمزيد من القمع والقتل ، وهو ما يمارسه الجيش الصهيوني على الأرض ضد الفلسطينيين العزل، وما يمارسه قادة الجيش والمستوى السياسي بالتصريحات الإعلامية والمواقف المتطرفة، أما سياسة الجزرة فتبدو واضحة في المحاولات التي تجري في الخفاء ومن تحت الطاولة وعبر مفاوضات ومشاورات ماراثونية لإجهاض هذا الحراك السلمي كما حدث مع انتفاضة الحجارة 1987، والتي أجهضت باتفاق أوسلو المشؤوم وجزرة السلطة بلا سلطة.

 

 وهنا يجب تحذير الجميع خصوصا حركة حماس باعتبارها السلطة الفعلية في قطاع غزة من مصير مشابه لمصير انتفاضة الحجارة، خاصة وأن الكيان الصهيوني لا يلتزم باتفاقاته وتعهداته التي يقطعها على نفسه، وعدم التزامه وتنكره لتعهداته في اتفاقات أوسلو أو اتفاقات وقف الحرب 2014 خير دليل على ذلك، لذا فالحذر الحذر من تكرار التجربة والوثوق بتعهدات يقطعها الكيان الصهيوني على نفسه، أو آخرون لا يملكون ولا يمكنهم إجبار الكيان الصهيوني على تنفيذ هذه الوعود والتعهدات. علينا الاستمرار في هذا الحراك السلمي الشعبي والعمل على إشراك الكل الفلسطيني فيه خاصة الفلسطينيين في الدول العربية المجاورة, إضافة إلى أهلنا في الضفة الغربية وأراضي 48 ,  لتشكيل مزيد من الضغط على الكيان الصهيوني وداعميه، خاصة مع رفع مزيد من الشعارات التي تزيد من إحراج الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي المتقاعس عن نصرة الشعب الفلسطيني مثل المطالبة بتطبيق قرارات الأمم المتحدة ولجانها ومؤسساتها المختلفة وفي مقدمتها القرار 194 الخاص بحق العودة، وفي نفس الوقت علينا أن نعد العدة كاملة وأن نبني ونطور قدراتنا في كافة المجالات والاتجاهات استعدادا للمواجهة الشاملة مع الكيان الصهيوني الآتية لا ريب في ذلك مهما قصر أو طال الزمن.

التعليقات : 0

إضافة تعليق